الخصائص - أبو الفتح عثمان بن جنّي - الصفحة ٧٥ - باب القول على الفصل بين الكلام والقول
يكون من الفقر [١] إلى غيره ، على ما قدّمناه ، فكان إلى الاعتقاد المحتاج إلى البيان أقرب ، وبأن يعبّر به عنه أليق. فاعرف ذلك.
فإن قيل : ولم وضع الكلام على ما كان مستقلا بنفسه البتّة ، والقول على ما قد يستقلّ بنفسه ، وقد يحتاج إلى غيره؟ الاشتقاق قضى بذلك؟ أم لغيره من سماع متلقّى بالقبول والاتباع؟ قيل : لا ، بل لاشتقاق قضى بذلك دون مجرّد السماع.
وذلك أنا قد قدّمنا فى أوّل القول من هذا الفصل أنّ الكلام إنما هو من الكلم ، والكلام والكلوم وهى الجراح ؛ لما يدعو إليه ، ولما يجنيه فى أكثر الأمر على المتكلمة ، وأنشدنا فى ذلك قوله :
* وجرح اللسان كجرح اليد [٢] *
ومنه قوله :
|
قوارص تأتينى ويحتقرونها |
وقد يملا القطر الإناء فيفعم [٣] |
ونحو ذلك من الأبيات ، التى جئنا بها هناك وغيرها ، مما يطول به الكتاب ، وإنما ينقم من القول ويحقر ، ما ينثى [٤] ويؤثر ، وذلك ما كان منه تامّا غير ناقص ، ومفهوما غير مستبهم ، وهذه صورة الجمل ، وهو ما كان من الألفاظ قائما برأسه ، غير محتاج إلى متمّم له ، فلهذا سمّوا ما كان من الألفاظ تامّا مفيدا كلاما ؛ لأنه فى غالب الأمر وأكثر الحال مضرّ بصاحبه ، وكالجارح له. فهو إذا من الكلوم التى هى الجروح. وأمّا القول فليس فى أصل اشتقاقه ما هذه سبيله ؛ ألا ترى أنا قد عقدنا تصرف «ق و ل» وما كان أيضا من تقاليبها الستة ، فأرينا أنّ جميعها إنما هو
[١] فى عبارة اللسان : «المفتقر». (نجار).
[٢] سبق تخريجه.
[٣]البيت من الطويل ، وهو للفرزدق فى ديوانه ٢ / ١٩٥ ، ولسان العرب (قرص) ، وتهذيب اللغة (٨ / ٣٦٦) ، وجمهرة اللغة ص ٩٣٧ ، وتاج العروس (قرص) ، وأساس البلاغة (قرص) ، وبلا نسبة فى جمهرة اللغة ص ٧٤٢ ، ومقاييس اللغة ٥ / ٧١ ، ومجمل اللغة ٤ / ١٥٣ ، وكتاب العين ٥ / ٦١.
[٤] يقال : نثا الحديث والخبر نثوا : حدّث به وأشاعه وأظهره. ونثا عليه قولا : أخبر به عنه ؛ و... والنثا فى الكلام يطلق على القبيح والحسن ، يقال : ما أقبح نثاه وما أحسن نثاه. اللسان : (نثا).