الحديث النبوي في النحو العربي - محمود فجال - الصفحة ٣٤ - الفصل الأول معرفة اللغة والإعراب أصل لمعرفة الحديث النبوي
ولا بد لمن يريد تعلم النحو من الشغف به ، ومجالسة أهله ، وإدامة النظر في كتبه ، وبذل الوسع في تحصيله ، والوقوف على أبوابه وفصوله ، ليطلع على خفاياه ، ويدرك خباياه.
وكان فيما سلف «أبو عبد الله ، الحسين بن أحمد بن خالويه» (المتوفى ٣٨٠ ه بحلب) [١] إمام النحو والأدب ، وأحد أفراد الدّهر في كل فن من فنون العلم ، وكانت الرحلة إليه من الآفاق. هذا الإمام الذي لا يشق له غبار في علوم العربية جاءه رجل وقال له : أريد أن أتعلّم من العربية ما أقيم به لساني. فقال : أنا منذ خمسين سنة أتعلم النحو ، ما تعلمت ما أقيم به لساني [٢].
فهذا الإمام لم يبالغ ، ولكنه يريد أن يقرر أنه دائب في تحصيل العلم لا يفتر ، وقد فاز بجزئه ، ولم يحط بكله ، وفي التنزيل : (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ)[٣] ، فمن أراد أن يقيم لسانه ، فعليه أن ينصرف للعلم بكليته.
وعن «شعبة» ـ ١٦٠ ه : «من طلب الحديث ولم يبصر العربية فمثله مثل رجل عليه برنس [٤] ليس له رأس».
وعن «حماد بن سلمة» ـ ١٦٧ ه قال : «مثل الذي يطلب الحديث ولا يعرف النحو ، مثل الحمار عليه مخلاة لا شعير فيها».
وقال «السيوطي» ـ ٩١١ ه : كان «حماد بن سلمة» يمرّ بـ «الحسن البصريّ» في الجامع فيدعه ، ويذهب إلى أصحاب العربية يتعلّم منهم [٥].
[١] كان العلماء قديما يعدون «حلب الشهباء» مدينة العلم والعلماء ، فلقد أسهمت إسهاما بالغا في تخريج العلماء والزهاد ، بالإضافة إلى المدن العظيمة التالية : «مكة المكرمة» ، و «المدينة المنورة» ، و «دمشق» ، و «القاهرة» ، و «بغداد». والله الكريم أسأل أن يعيد لهذه البلاد نشاطها العلمي ، وازدهارها الفكري ؛ ليعود للإسلام سالف عزه ، وتالد مجده.
[٢] «بغية الوعاة» ١ : ٥٢٩.
[٣] يوسف : ٧٦.
[٤] البرنس ـ بالضم ـ قلنسوة طويلة ، أو كل ثوب رأسه منه دراعة كان أوجبة أو قمطرا. «قاموس».
[٥] «بغية الدعاة» ١ : ٥٤٨.