الحديث النبوي في النحو العربي - محمود فجال - الصفحة ١٦ - تمهيد (فصاحة النبي ـ
وهو مع استغنائه عن إعادته ، وقلّة حاجة السامع إلى معاودته ، لم تسقط له كلمة ، ولا زلّت به قدم ، ولا بارت له حجّة ، ولم يقم له خصم ، ولا أفحمه خطيب ، بل يبذّ الخطب الطّوال بالكلم القصار. ولا يلتمس إسكات الخصم إلا بما يعرفه الخصم ، ولا يحتجّ إلا بالصّدق. ولا يطلب الفلج [١] إلا بالحق ، ولا يستعين بالخلابة ، ولا يستعمل المواربة ، ولا يهمز ولا يلمز [٢] ، ولا يبطىء ولا يعجل ، ولا يسهب ولا يحصر [٣] ، ثم لم يسمع الناس بكلام قطّ أعمّ نفعا ، ولا أقصد لفظا ، ولا أعدل وزنا ، ولا أجمل مذهبا ، ولا أكرم مطلبا ، ولا أحسن موقعا ، ولا أسهل مخرجا ، ولا أفصح معنى ، ولا أبين عن فحواه [٤] ، من كلامه ـ صلىاللهعليهوسلم ـ» [٥]
وقال «القاضي أبو الفضل عياض» ـ ٥٤٤ ه : «وأما فصاحة اللسان ، وبلاغة القول ، فقد كان ـ صلىاللهعليهوسلم ـ من ذلك بالمحلّ الأفضل ، والموضع الذي لا يجهل ، سلاسة [٦] طبع ، وبراعة [٧] منزع [٨] ، وإيجاز مقطع [٩] ، ونصاعة لفظ ، وجزالة قول ، وصحّة معان ، وقلّة تكلّف ، أوتي جوامع الكلم [١٠] ، وخصّ ببدائع الحكم ، وعلّم ألسنة العرب ، فكان يخاطب كلّ أمة منها بلسانها ، ويحاورها بلغتها ، ويباريها في منزع بلاغتها ، حتى كان كثير من أصحابه يسألونه
[١] الفلج : الفوز والظفر.
[٢] الهمز : الغيبة في الغيبة ، واللمز : العيب في الحضرة.
[٣] حصر يحصر حصرا ، من باب تعب : عي في كلامه.
[٤] فحواه : معناه.
[٥] «البيان والتبيين» ٢ : ١٧ ـ ١٨.
[٦] سلاسة : سهولة.
[٧] «البراعة» مصدر «برع» أي : فاق.
[٨] المنزع : المأخذ.
[٩] مقطع : تمام الكلام.
[١٠] جمع : جامعة ، أي : أوتي الكلم الجوامع للمعاني.