نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٤ - مقدمة الأستاذ الامام الشيخ محمد عبده

أبو الحسن فأعظمه و أجل مكانه و رفع من منزلته و خلى ما كان بيده من القصص و الرقاع و أقبل عليه يحادثه إلى أن انصرف، ثم دخل بعد ذلك المرتضى أبو قاسم (أخو الشريف الرضى) فلم يعظمه ذلك التعظيم، و لا أكرمه ذلك الاكرام. و تشاغل عنه برقاع يقرأها فجلس قليلا، ثم سأله أمرا فقضاه ثم انصرف، قال أبو حامد:

فقلت: أصلح اللّه الوزير، هذا المرتضى هو الفقيه المتكلم صاحب الفنون، و هو الأمثل و الأفضل منهما، و إنما أبو الحسن شاعر؟ قال: فقال لى: إذا انصرف الناس و خلا المجلس أجبتك عن هذه المسألة. قال: و كنت مجمعا على الانصراف فعرض من الأمر ما لم يكن فى الحساب، فدعت الضرورة إلى ملازمة المجلس حتى تقوض الناس. و بعد أن انصرف عنه أكثر غلمانه و لم يبق عنده غيرى. قال لخادم له: هات الكتابين الذين دفعتهما إليك منذ أيام و أمرتك بوضعهما فى السفط الفلانى. فأحضرهما، فقال: هذا كتاب الرضى اتصل بى أنه قد ولد له ولد فأنفذت إليه ألف دينار، و قلت: هذا للقابلة، فقد جرت العادة أن يحمل الأصدقاء إلى ذوى مودتهم مثل هذا فى مثل هذه الحال. فردها، و كتب إلى هذا الكتاب فاقرأه. فقرأته فاذا هو اعتذار عن الرد، و فى جملته: «إننا أهل بيت لا يطلع على أحوالنا قابلة غريبة، و إنما عجائزنا يتولين هذا الأمر من نسائنا، و لسن ممن يأخذن أجرة، و لا يقبلن صلة» قال: فهذا هذا، و أما المرتضى فانا كنا وزعنا و قسطنا على الأملاك، ببعض النواحى، تقسيطا نصرفه فى حفر فوهة النهر المعروف بنهر عيسى، فأصاب ملكا للشريف المرتضى بالناحية المعروفة بالداهرية من التقسيط عشرون درهما ثمنها دينار واحد. و قد كتب منذ أيام فى هذا المعنى هذا الكتاب فاقرأه، و هو أكثر من مائة سطر، يتضمن من الخشوع و الخضوع و الاستمالة و الهز و الطلب و السؤال فى إسقاط هذه الدراهم المذكورة ما يطول شرحه. قال فخر الملك فأيهما ترى أولى بالتعظيم و التبجيل‌؟ هذا العالم المتكلم الفقيه الأوحد، و نفسه هذه النفس، أم ذلك الذى لم يشهر إلا بالشعر خاصة و نفسه تلك النفس!! فقلت: وفق اللّه سيدنا الوزير، و اللّه ما وضع الأمر إلا فى موضعه، و لا أحله إلا فى محله.

و توفى الرضى فى المحرم سنة أربع و أربعمائة، و دفن فى داره بمسجد الأنباريين بالكرخ، و مضى أخوه المرتضى من جزعه عليه إلى مشهد موسى بن جعفر عليه