نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٣ - مقدمة المحقق
ما أودع نهج البلاغة من فنون الفصاحة، و ما خص به من وجوه البلاغة، خصوصا و هو لم يترك غرضا من أغراض الكلام إلا أصابه، و لم يدع للفكر ممرا إلا جابه» و هو الذى يقول جامعه الشريف الرضى فى سبب توليفه «علما أن ذلك يتضمن من عجائب البلاغة، و غرائب الفصاحة، و جواهر العربية، و ثواقب الكلم الدينية و الدنيوية، ما لا يوجد مجتمعا فى كلام، و لا مجموع الأطراف فى كتاب، إذ كان أمير المؤمنين عليه السلام مشرع الفصاحة و موردها، و منشأ البلاغة و مولدها، و منه عليه السلام ظهر مكنونها، و عنه أخذت قوانينها، و على أمثلته حذا كل قائل خطيب، و بكلامه استعان كل واعظ بليغ، و مع ذلك فقد سبق و قصروا، و تقدم و تأخروا».
هذا كتاب «نهج البلاغة» و هو الذى عرفت منزلته بين الكتب، و سمعت الثناء العظيم عليه من رجل من رجالات الأدب و البيان فى عصر العلم و البيان، و هو «أشعر الطالبيين من مضى و من غبر، على كثرة شعرائهم المفلقين» [١] و من حكيم الاسلام و إمام المسلمين و زعيم الدعوة الاجتماعية و الأدبية فى العصر الحديث، فليس بدعا أن نحضك على قراءته و معاودة مراجعته، ثم على التأسى به و قفو نهجه، و ليس كثيرا أن نكفل لك إذا أنت لم تأل جهدا فى اتباع هذه النصيحة أن تبلغ الذروة، و تصل إلى ما تطمع فيه من امتلاك أزمة البلاغة، و التمكن من أعنتها.
و ليس من شك عند أحد من أدباء هذا العصر، و لا عند أحد ممن تقدمهم، فى أن أكثر ما تضمنه «نهج البلاغة» من كلام أمير المؤمنين عليه السلام، نعم ليس من شك عند أحد فى ذلك، و ليس من شك عند أحد فى أن ما تضمنه الكتاب جار على النهج المعروف عن أمير المؤمنين، موافق للأسلوب الذى يحفظه الأدباء و العلماء من كلامه الموثوق بنسبته إليه، و لكن بعض المعروفين من أدباء عصرنا يميلون إلى أن بعض ما فى الكتاب من خطب و رسائل لم يصدر عن غير الشريف الرضى جامع الكتاب: هو منشئه، و هو مدعى نسبته إلى الامام، و هم فى ذلك يترسمون خطوات بعض المتقدمين ممن قرب من عهد الرضى و من بعد عنه، فقد سبق إلى التشكك فى شأن الكتاب و استبعاد نسبة جميع ما فيه إلى الامام على رضى اللّه عنه قاضى القضاة شمس الدين أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن أبى بكر خلكان الاريلى: المولود بمدينة
[١] يقول ذلك الثعالبى فى شأن الشريف الرضى.