نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٠ - مقدمة الأستاذ الامام الشيخ محمد عبده
و باسل تلك الصولة، هو حامل لوائها الغالب، أمير المؤمنين على بن أبى طالب.
بل كنت كلما انتقلت من موضع إلى موضع أحس بتغير المشاهد، و تحول المعاهد:
فتارة كنت أجدنى فى عالم يعمره من المعانى أرواح عالية، فى حلل من العبارات الزاهية، تطوف على النفوس الزاكية، و تدنو من القلوب الصافية: توحى إليها رشادها، و تقوم منها مرادها، و تنفر بها عن مداحض المزال، إلى جواد الفضل و الكمال.
و طورا كانت تتكشف لى الجمل عن وجوه باسرة، و أنياب كاشرة، و أرواح فى أشباح النمور، و مخالب النسور، قد تحفزت للوثاب، ثم انقضت للاختلاب.
فخلبت القلوب عن هواها، و أخذت الخواطر دون مرماها، و اغتالت فاسد الأهواء و باطل الآراء.
و أحيانا كنت أشهد أن عقلا نورانيا، لا يشبه خلقا جسدانيا، فصل عن الموكب الالهى و اتصل بالروح الانسانى، فخلعه عن غاشيات الطبيعة، و سما به إلى الملكوت الأعلى، و نما به إلى مشهد النور الأجلى. و سكن به إلى عمار جانب التقديس، بعد استخلاصه من شوائب التلبيس.
و آنات كأنى أسمع خطيب الحكمة ينادى بأعلياء الكلمة، و أولياء أمر الأمة، يعرفهم مواقع الصواب، و يبصرهم مواضع الارتياب، و يحذرهم مزالق الاضطراب، و يرشدهم إلى دقائق السياسة، و يهديهم طرق الكياسة، و يرتفع بهم إلى منصات الرئاسة.
و يصعدهم شرف التدبير، و يشرف بهم على حسن المصير.
ذلك الكتاب الجليل هو جملة ما اختاره السيد الشريف الرضى، رحمه اللّه، من كلام سيدنا و مولانا أمير المؤمنين على بن أبى طالب كرم اللّه وجهه: جمع متفرقه و سماه هذا الاسم «نهج البلاغة» و لا أعلم اسما أليق بالدلالة على معناه منه، و ليس فى وسعى أن أصف هذا الكتاب بأزيد مما دل عليه اسمه، و لا أن آتى بشىء فى بيان مزيته فوق ما أتى به صاحب الاختيار كما ستراه فى مقدمة الكتاب. و لو لا أن غرائز الجبلة، و قواضى الذمة تفرض علينا عرفان الجميل لصاحبه، و شكر المحسن على إحسانه، لما احتجنا إلى التنبيه على ما أودع نهج البلاغة، من فنون الفصاحة، و ما خص به من وجوه البلاغة. خصوصا و هو لم يترك غرضا من أغراض الكلام إلا أصابه، و لم يدع للفكر ممرا إلا جابه.
إلا أن عبارات الكتاب لبعد عهدها منا، و انقطاع أهل جيلنا عن أصل لساننا،