نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٩ - مقدمة الأستاذ الامام الشيخ محمد عبده

مقدمة الأستاذ الامام الشيخ محمد عبده

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

حمد اللّه سياج النعم، و الصلاة على النبى وفاء الذمم، و استمطار الرحمة على آله الأولياء، و أصحابه الأصفياء، عرفان الجميل، و تذكار الدليل و بعد، فقد أوفى لى حكم القدر بالاطلاع على كتاب «نهج البلاغة» مصادفة بلا تعمل:

أصبته على تغير حال، و تبلبل بال، و تزاحم أشغال، و عطلة من أعمال، فحسبته تسلية، و حيلة للتخلية، فتصفحت بعض صفحاته، و تأملت جملا من عباراته، من مواضع مختلفات، و مواضيع متفرقات، فكان يخيل لى فى كل مقام أن حروبا شبت، و غارات شنت، و أن للبلاغة دولة، و للفصاحة صولة، و أن للأوهام عرامة [١] و للريب دعارة، و أن جحافل الخطابة، و كتاثب الذرابة، فى عقود النظام، و صفوف الانتظام، تنافح بالصفيح الأبلج [٢] و القويم الأملج، و تمتلج المهج برواضع الحجج، فتفل من دعارة الوساوس [٣] و تصيب مقاتل الخوانس. فما أنا إلا و الحق منتصر، و الباطل منكسر، و مرج الشك فى خمود [٤] و هرج الريب فى ركود. و إن مدبر تلك الدولة،


[١] العرامة: الشراسة. و الدعارة: سوء الخلق. و الجحافل: الجيوش، و الكتائب: الفرق منها. و للذرابة: حدة اللسان فى فصاحة. و الكلام تخييل حرب بين البلاغة و هائجات الشكوك و الأوهام

[٢] تنافح: تضارب أشد المضاربة، و الصفيح: السيف، و الأبلج: اللامع البياض، و القويم: الرمح، و الأملج: الأسمر. و هى مجازات عن الدلائل الواضحة و الحجج القويمة المبددة للوهم و إن خفى مدركها. و تمتلج: أى تمتص، و المهج: دماء القلوب، و المراد لا تبقى للأوهام شيئا من مادة البقاء.

[٣] فل الشىء: ثلمه، و القوم هزمهم. و الخوانس: خواطر السوء تسلك من النفس مسالك الخفاء.

[٤] المرج: الاضطراب، و الهرج: هيجان الفتنة.