نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٥ - مقدمة المحقق
أمر يجل عن مثله مقام على و من كان على شاكلة على ممن حضر عهد الرسالة و رأى نور النبوة و لسنا - علم اللّه - ممن يرى فى هذه الأسباب مجتمعة أو منفردة دليلا أو شبه دليل على ما ذهب إليه أنصار هذه الفكرة، و قد نغالى إذا نحن اعتبرناها شبها تعرض للبحث و يتكلف الباحث ردها، و لكنا - مع هذا - لا نبخل أن نقول كلمة موجزة فى شأن كل سبب من هذه الأسباب، حتى يتيسر لنا الوقت الذى نظهر فيه بحثا متشعب المناحى فى هذه المسألة، إن شاء اللّه أما عن السبب الأول فقد يعلم كل من شدا شيئا من التاريخ و الأدب أن الامام عليا رضى اللّه عنه أصيب بموت النبى صلى اللّه عليه و سلم، و هو مربيه و ابن عمه و أبو زوجه، و هو فى الثلاثين من عمره أو يزيد قليلا، فهو شاب له حدة الشباب و توثبه و نشاطه و طموحه، و قد كان له - مع ذلك - من حصافة الرأى و سعة العلم و نفاذ البصيرة و سائر وسائل الاجتهاد مثل ما كان لشيوخ الصحابة و أكابرهم، و هو أيضا مدل بمواقفه الكثيرة فى الذياد عن حوض الدين و الدفاع عن حوزته، مدل بتضحياته العظمى فى غير من و لا استكثار لها، فهو إذن محزون، كسير القلب، راغب فى الترفيه عن نفسه، محب للاعتراف بمواقفه المعروفة، و لم يكن يبلغ به طموحه إلى الانتقاض على جماعة المسلمين بعد الذى بذل فى تأليفها و لم شعثها، و لكنه قد كان يكفيه أن يتخذه مشيخة المسلمين مشيرا: يشاركهم الرأى، و يمحضهم النصح، و الظاهر أن فتنة الخلافة التى ابتلى بها المسلمون و الرسول مسجى على سريره كانت تستوجب هذه السرعة التى خاض غمارها رجلا الاسلام و شيخاه أبو بكر الصديق و عمر الفاروق رضى اللّه عنهما، و الامام على حينذاك مشغول بتعزية زوجه فاطمة عما أصابها، فحدث من سوء التفاهم ما لا بد عنه فى مثل هذا الموقف... و صبر على رضى اللّه عنه حتى دارت الأيام دورتها و أفضت الخلافة إليه، و حينئذ لم يجد أمامه من يصح أن يؤثره على نفسه، و وقف معاوية رضى اللّه عنه من الامام موقفه المشهور، فكانت بينهما مناضلات بالكلام مرة و بالحسام مرة أخرى، و إن السبب الذى يسيغ لأدبائنا أن يعترفوا بقتالهم و صراعهم و تجالدهم فى مواقف القتال هو بعينه السبب الذى نستسيغ من أجله أن يكتب لهم داعيا إلى التسليم له محتجا بسابقته و رسوخ قدمه، و لقد كنا نتكلم فى هذا الموضوع مرة فقال أحد إخواننا: أنا لا أفهم معنى لانكار بعض الناس أن يقول على فى معاوية و عمرو