نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٦ - مقدمة المحقق

و هم يؤمنون بانه حاربهما و دعاهما إلى مبارزته!!! و من أجل ذلك كان تعريضه بالموقف الأول ممزوجا بالرفق و اللين و الهوادة، و كان تعريضه بالموقف الثانى شديدا عنيفا و أما عن السبب الثانى فليس ما فى الكتاب كله سجعا، و ما فيه من السجع فهو مما لم تدع إليه الصنعة، و لا اقتضاه الكلف بالمحسنات، و أكثره مما يأتى عفوا بلا كد خاطر و لا تجشم هول، و مثله فى عبارات عصره واقع، و من عرف أن ابن أبى طالب كان حامى عرين الفصاحة و ابن بجدتها لم يعسر عليه التسليم.

و أما عن السبب الثالث فانا لا نقضى العجب من جعله سببا لهذه الدعوى، و متى كانت دقة التخيل و إجادة الوصف وقفا على قوم دون قوم‌؟!! أ و ليس الشعر العربى مملوءا بدقة الوصف و استكماله‌؟ ثم أ ليس لقرشى شهد تنزيل القرآن، و صحب أفصح العرب منذ نعومة أظفاره، و كتب له الوحى، و سمع ما يفجره اللّه تعالى على لسانه من ينابيع الحكمة، أ ليس لهذا القرشى ميزة عن سائر الناس‌؟؟!! و أما عن السبب الرابع فانا لا نعتبر ما فى الكتاب من ادعاء علم الغيب، و إنما هو من استنتاج القضايا الاجتماعية من مقدماتها و أسبابها، و مثل الامام على فى دقة ذهنه و قوة عارضته خليق بالتمكن من هذا الاستنتاج:

و عسيت أن تسأل عن رأى الأستاذ الامام الشيخ «محمد عبده» فى ذلك، و هو الذى بعث الكتاب من مرقده، و لم يكن أحد أوسع منه اطلاعا، و لا أدق تفكيرا، و الجواب على هذا التساؤل أنا نعتقد أنه رحمه اللّه كان مقتنعا بأن الكتاب كله للامام على رحمه اللّه، و إن لم يصرح بذلك، و الدليل على هذه العقيدة أنه يقول فى مقدمته يصف الكتاب «و إن مدبر تلك الدولة، و باسل تلك الصولة، هو حامل لوائها الغالب، أمير المؤمنين على بن أبى طالب» بل هو يتجاوز هذا المقدار إلى الاعتراف بأن جميع الألفاظ صادرة عن الامام على، حتى إنه ليجعل ما فى الكتاب حجة على معاجم اللغة، اسمع إليه و هو يقول (ج ٢ ص ١٩٧ - من هذه المطبوعة): «المواساة بالشىء: الاشراك فيه.... قالوا: و الفصيح فى الفعل آسيته، و لكن نطق الامام حجة» اه‌، و أعاد هذه الكلمة بنفسها (ج ٣ ص ٧٢ الحاشية ٤ من هذه المطبوعة) و هو يذهب فيما ظنه أدباؤنا من علم الغيب إلى نحو ما قررناه من أنه تفرس و استنتاج، انظر إليه و هو يقول (ج ٣ ص ١٣ حاشية ٦ من هذه المطبوعة): «تفرس فيما سيكون من معاوية و جنده، و كان الأمر كما تفرس» اه‌.