نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١١ - مقدمة الأستاذ الامام الشيخ محمد عبده
قد نجد فيها غرائب ألفاظ فى غير وحشية، و جزالة تركيب فى غير تعقيد، فربما وقف فهم المطالع دون الوصول إلى مفهومات بعض المفردات أو مضمونات بعض الجمل، و ليس ذلك ضعفا فى اللفظ، أو وهنا فى المعنى، و إنما هو قصور فى ذهن المتناول.
و من ثم همت بى الرغبة أن أصحب المطالعة بالمراجعة، و المشارفة بالمكاشفة، و أعلق على بعض مفرداته شرحا، و بعض جمله تفسيرا، و شىء من إشاراته تعيينا. واقفا عند حد الحاجة مما قصدت، موجزا فى البيان ما استطعت، معتمدا فى ذلك على المشهور من كتب اللغة، و المعروف من صحيح الأخبار. و لم أتعرض لتعديل ما روى عن الامام فى مسألة الامامة أو تجريحه، بل تركت للمطالع الحكم فيه بعد الالتفات إلى أصول المذاهب المعلومة فيها، و الأخبار المأثورة الشاهدة عليها. غير أنى لم أتحاش تفسير العبارة، و توضيح الاشارة. لا أريد فى وجهى هذا إلا حفظ ما أذكر، و ذكر ما أحفظ تصونا من النسيان، و تحرزا من الحيدان، و لم أطلب من وجه الكتاب إلا ما تعلق منه بسبك المعانى العالية فى العبارات الرفيعة فى كل ضرب من ضروب الكلام. و حسبى هذه الغاية فيما أريد لنفسى و لمن يطلع عليه من أهل اللسان العربى.
و قد عنى جماعة من جلة العلماء بشرح الكتاب، و أطال كل منهم فى بيان ما انطوى عليه من الأسرار. و كل يقصد تأييد مذهب، و تعضيد مشرب. غير أنه لم يتيسر لى و لا واحد من شروحهم، إلا شذرات وجدتها منقولة عنهم فى بطون الكتب. فان وافقت أحدهم فيما رأى فذلك حكم الاتفاق، و إن كنت خالفتهم فالى صواب فيما أظن على أنى لا أعد تعليقى هذا شرحا فى عداد الشروح، و لا أذكره كتابا بين الكتب، و إنما هو طراز لنهج البلاغة، و علم توشى به أطرافه.
و أرجو أن يكون فيما وضعت من وجيز البيان، فائدة للشبان من أهل هذا الزمان.
فقد رأيتهم قياما على طريق الطلب، يتدافعون إلى نيل الأرب من لسان العرب.
يبتغون لأنفسهم سلائق عربية، و ملكات لغوية. و كل يطلب لسانا خاطبا، و قلما كاتبا. لكنهم يتوخون وسائل ما يطلبون فى مطالعة المقامات و كتب المراسلات مما كتبه المولدون، أو قلدهم فيه المتأخرون. و لم يراعوا فى تحريره إلا رقة الكلمات، و توافق الجناسات، و انسجام السجعات، و ما يشبه ذلك من المحسنات اللفظية، التى و سموها بالفنون البديعية. و إن كانت العبارات خلوا من المعانى الجليلة، أو فاقدة الأساليب الرفيعة.