نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٢ - مقدمة الأستاذ الامام الشيخ محمد عبده

على أن هذا النوع من الكلام بعض ما فى اللسان العربى، و ليس كل ما فيه، بل هذا النوع إذا انفرد يعد من أدنى طبقات القول، و ليس فى حلاه المنوطة بأواخر ألفاظه ما يرفعه إلى درجة الوسط. فلو أنهم عدلوا إلى مدارسة ما جاء عن أهل اللسان، خصوصا أهل الطبقة العليا منهم، لأحرزوا من بغيتهم ما امتدت إليه أعناقهم، و استعدت لقبوله أعراقهم. و ليس فى أهل هذه اللغة إلا قائل بأن كلام الامام على ابن أبى طالب هو أشرف الكلام و أبلغه - بعد كلام اللّه تعالى و كلام نبيه صلى اللّه عليه و سلم - و أغزره مادة، و أرفعه أسلوبا، و أجمعه لجلائل المعانى فأجدر بالطالبين لنفائس اللغة، و الطامعين فى التدرج لمراقيها، أن يجعلوا هذا الكتاب أهم محفوظهم، و أفضل مأثورهم. مع تفهم معانيه فى الأغراض التى جاءت لأجلها، و تأمل ألفاظه فى المعانى التى صيغت للدلالة عليها، ليصيبوا بذلك أفضل غاية، و ينتهوا إلى خير نهاية. و أسأل اللّه نجاح عملى و أعمالهم، و تحقيق أملى و آمالهم و لنقدم للمطالع موجزا من القول فى نسب الشريف الرضى جامع الكتاب و طرفا من خبره.

فهو أبو الحسن محمد بن أبى أحمد الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم ابن موسى بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن على زين العابدين بن الحسين بن على بن أبى طالب كرم اللّه وجهه و أمه فاطمة بنت الحسين بن الحسن الناصر صاحب الديلم بن على بن الحسن بن على ابن عمر بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب رضى اللّه عنه و كرم اللّه وجهه ولد الشريف الرضى فى سنة تسع و خمسين و ثلاثمائة، و اشتغل بالعلم ففاق فى الفقه و الفرائض و بذ أهل زمانه فى العلم و الأدب.

قال صاحب اليتيمة: هو اليوم أبدع أبناء الزمان، و أنجب سادات العراق، يتحلى - مع محتده الشريف، و مفخره المنيف - بأدب ظاهر، و فضل باهر، و حظ من جميع المحامد وافر. تولى نقابة نقباء الطالبيين بعد أبيه فى حياته سنة ثمان و ثمانين و ثلاثمائة، و ضمت إليه، مع النقابة، سائر الأعمال التى كان يليها أبوه: و هى النظر فى المظالم، و الحج بالناس. و كان من سمو المقام بحيث يكتب إلى الخليفة