الأسرار الخفیة في العلوم العقلیة - العلامة الحلي - الصفحة ٢٢
أنّ السلطان زار رقعة شاسعة من مملكته، فقد زار بلاد الجبل و جيلان و آذربايجان و الريّ و العراق و الموصل و أرمينيا و غيرها، و من المفترض أنّ العلاّمة كان يرافقه في هذه الرحلات [١].
و قد ذكر العلاّمة رحلته إلى جرجان في إنهاء كتاب الألفين حيث قال:
فهذا آخر ما أردنا إيراده في هذا الكتاب. . . و ذلك في غرّة رمضان المبارك سنة اثنتي عشر و سبعمائة، و كتب حسن بن مطهّر ببلدة جرجان في صحبة السلطان الأعظم غياث الدين محمد أولجايتو خلّد اللّه ملكه [٢].
و جدير بالذكر أنّ السلطانيّة كانت حاضرة من حواضر العالم الإسلامي، و مركزا استقطب العديد من طلاّب العلوم الذين وفدوا عليها من أطراف البلاد المترامية.
و لا شكّ أن يترك العلاّمة أثرا كبيرا في الأوساط العلميّة، و ذلك لما يتمتّع به من قدرات فائقة في منازلة الخصوم و إفحامهم بالحجج و الأدلّة العلميّة، إضافة إلى مزاولته تدريس العلوم المختلفة طوال مدّة مكثه في السلطانيّة و حين تجواله برفقة السلطان.
أمّا نشاطه في مدرسة الحلّة حيث كان العلاّمة على رأس الهرم فيها، فقد استطاع العلاّمة تطوير مناهج الدروس الحوزوية و استقطاب عدد كبير من طلاّب العلوم، حتّى أضحت الحلّة بعد سقوط بغداد المركز الذي يلتقي فيه الطلاّب و المأوى الذي يلتجئون إليه هربا من بطش المغول.
و وصلت هذه المدرسة إلى أوج كمالها و ازدهارها في عهد العلاّمة و ابنه محمّد فخر المحقّقين، حتّى روي أن الذين تخرّجوا على يد العلاّمة قد ناهزوا ٥٠٠ طالب.
العلاّمة الحلّي و العلوم العقليّة
إنّ العلاّمة الحلّي و إن كان قد انصبّ جهده في المجالات الأصوليّة و الفقهيّة و الرجاليّة، إلاّ أنّنا نستطيع أن نلمس براعته في المجالين: الفلسفي و الكلامي، فإنّه فاق الأقران و ردّ أدلّة الخصم بأسلوب بديع خال من التعصّب المقيت و الخلط و التخليط، كما صرّح بذلك في أوائل الكتاب.
و كيف لا يكون كذلك و قد تتلمذ على المحقّق الطوسي الذي قال عنه المصنّف بأنّه:
الشيخ الذي كان أفضل أهل عصره في العلوم العقليّة، و له مصنّفات كثيرة في العلوم الحكمية و الشرعيّة على مذهب الإماميّة، و كان أشرف من شاهدناه في الأخلاق
[١] . «مناهج اليقين» :٥٧، تقديم.
[٢] . «الألفين» :٤٤٥.