الأسرار الخفیة في العلوم العقلیة - العلامة الحلي - الصفحة ١٥
بمحاصرتها، و بإزاء هذه الروح المتوحّشة و الفتاكة التي اتّصف بها المغول، مضافا إلى الضعف و الانهيار الذي عاشته الفترة العبّاسية، فكّر الوزير ابن العلقمي-الذي هو آخر وزير عبّاسي و أوّل وزير في دولة المغول-في مسالمة المغول و نصح الخليفة بذلك، خاصّة أنّ «حكومة» المغول بقوّتها القاهرة قد قضت على حكومات جمّة، و أرعبت العالم بما أحدثته من دويّ و ضجّة. . . فليس في وسع الحكومة العباسية أن تقاوم، و كان ابن العلقمي أعلم بالوضع، فأبدى لزوم المسالمة فلم يسمع منه قول، و كان قد أنشد:
كيف يرجى الصلاح من أمر قوم
ضيّعوا الحزم فيه أيّ ضياع
فمطاع الكلام غير سديد
و سديد المقال غير مطاع [١]
و بسقوط بغداد على يد هولاكو فقدت موقعها كواحدة من أهمّ حواضر العالم الإسلامي، لكنّها مع ذلك كان فيها النشاط العلمي و التلاقح الحضاري بين الأمم، و ذلك لمركزها التجاري.
و الذي يظهر من تتبّع تاريخ المغول أنّهم لم ينطلقوا في غزوهم العالم عن عقيدة أو هدف سياسي واضح كما عليه الإفرنج، بل كان غرضهم الغزو و السلب و التدمير، و هذا الأمر يبدو جليّا في تأثّر بعض أمراء المغول بالإسلام و التمسّك به و دعوة الناس إلى اعتناقه.
و بعد توسّع دولة المغول المترامية الأطراف-و التي شملت بقاع شاسعة من الأرض-بدأت بوادر الانقسام تلوح في الأفق، حيث قرّر السلطان ابا قا خان الانفصال عن الحكومة المركزية، و أعلن استقلاله سنة ٦٦٥.
و كان لصاحب الديوان علاء الدين الجويني و الخواجة نصير الدين الطوسي بالغ الأثر في إشاعة الاستقرار و الأمن و حفظ أرواح الناس في ظلّ حكومة المغول، بل سعيا في توجيه الأمراء لما فيه مصالح المسلمين، ففي سنة ٦٧٢ قدم السلطان ابا قا خان إلى بغداد، يرافقه الخواجة نصير الدين حتّى بلغ واسط ثم عاد إلى بغداد، و أمر بالإحسان إلى الناس و تخفيف الضرائب عنهم، ثم رجع إلى مقرّ ملكه، بينما بقي الطوسي [٢]في بغداد؛ لتصفّح أحوال الأوقاف و تنظيم رواتب الفقهاء و المدرّسين
[١] . «تاريخ العراق بين احتلالين»١:٢٠٩.
[٢] . هو المحقّق نصير الدين الطوسي شارح «الإشارات و التنبيهات» لأبي علي بن سينا، اتّصل الطوسي ب «هولاكو» إثر القضاء على الإسماعيليين، و قيل: إنّه كان سجينا لديهم. و قد ترجمه-من غير الشيعة-علماء كثيرون، منهم ابن خلكان و صاحب الوافي بالوفيات و صاحب عقد الجمان و صاحب الشذرات و غيرهم. و الكلّ يشهد بسعة علمه و بمقدرته البارزة سواء في تصانيفه أو استهوائه لهولاكو أو بنائه الرصد في مراغة.