خزانة الأدب و غاية الإرب - ابن حجة الحموي - الصفحة ٢٣٢ - «الحلّة السّيرا في مدح خير الورى»
و إذا دعا السّحب حال الصّحو فانسجمت # و من يديه ادعها إن شئت تنسجم
سقاهم الغيث ماء إذ سقى ذهبا # فغير كفّيه إن أمحلت لا تشم
قد أفصح الضّبّ تصديقا لبعثته # إفصاح قسّ و سمع القوم لم يهم
الهاشم الأسد هشم الزّاد تبذله # بنان هاشم الوهّاب للطّعم
كأنّما الشّمس تحت الغيم غرّته # في النّقع حيث وجوه الأسد كالحمم
إذا تبسّم في حرب وصاح بهم # يبكي الأسود و يرمي اللّسن بالبكم
قلّوا ببدر ففلّوا غرب شانئهم # به و ما قلّ جمع بالرّسول حمي
فابيضّ بعد سواد قلب منتصر # و اسودّ بعد بياض وجه منهزم
فاتبع رجال السّرى في البيد و اسر له # سرى الرجال ذوي الألباب و الهمم
خير الليالي ليالي الخير في إضم # و القوم قد بلغوا أقصى مرادهم
بعزمهم بلغوا خير الأنام فقد # فازوا و ما بلغوا إلاّ بعزمهم
يقوم بالألف صاع حين يطعمهم # و الصاع من غيره باثنين لم يقم
من الغزالة قد ردّت لطاعته # لو رام أن لا تزور الجدي لم ترم
داني القطوف جميل العفو مقتدر # ما ضاق منه لجان واسع الكرم
لا يرفع العين للرّاجين يمنحهم # بل يخفض الرّأس قولا: هاك فاحتكم
يا قاطع البيد يسريها على قدم # شوقا إليه لقد أصبحت ذا قدم
قد اعتصمت بأقوام جفونهم # لا تعرف السّيف خلوا من خضاب دم
جوازم الصبر عن فعل الجوى منعت # و رفعه حال إلاّ حال قربهم
في القلب و الطّرف من أهل الحمى قمر # من يعتصم بحماه الرحب يحترم
يا متهمين عسى أن تنجدوا رجلا # لم يسل عنكم و لم يصبح بمتّهم
أغار دهر رمى بالبعد نازحنا # فأنجدوا يا كرام الذات و الشّيم
إنّ الغضى لست أنسى أهله فهم # شبّوه بين ضلوعي يوم بينهم
جرى العقيق بقلبي بعد ما رحلوا # و لو جرى من دموع العين لم ألم
حيث الذي إن بدا في قومه و حبا # عفاته و رمى الأعداء بالنّقم