خزانة الأدب و غاية الإرب - ابن حجة الحموي - الصفحة ٤٨ - ز-ثقافته
و كان بوسع ابن حجّة أن يكثر من هذه الآراء لو لا أنّ عنايته بالاستكثار من الشواهد صرفته عن التعمّق في النقد.
و من آراء ابن حجّة النقديّة النظريّة رأيه في أنّ الدربة و المراس و دوام قراءة الأدب و حفظ الشعر لتكوين الملكة الأدبيّة، يخلق ملكة مكسوبة ترفد الملكة الأدبية الموهوبة في صناعة الأدب شعرا و نثرا، فالشاعريّة عنده لا بدّ من أن يرفدها الذوق السليم و الذهن الصافي و التمييز الصحيح، و قد أورد قصّة قصيرة في خزانته تؤيّد رأيه النقديّ هذا، إذ قال: «و هنا نكتة لطيفة تؤيّد هذا النقد، اتفق أن الشيخ نور الدين علي ابن سعيد الأندلسيّ الأديب المشهور الذي من نظمه قوله[من مخلع البسيط]:
و اطول شوقي إلى ثغور # ملأى من الشهد و الرحيق
عنها أخذت الذي تراه # يعذب من شعري الرقيق [١]
لمّا ورد إلى هذه البلاد، اجتمع بالصاحب بهاء الدين زهير، و تطفّل على موائد طريقته الغراميّة، و سأله الإرشاد إلى سلوكها فقال له: «طالع ديوان الحاجريّ و التلعفريّ، و أكثر المطالعة فيهما و راجعني بعد ذلك» ؛ فغاب عنه مدة و أكثر من مطالعة الديوانين... ثم اجتمع به بعد ذلك، و تذاكرا في الغراميّات، فأنشده الصاحب بهاء الدين زهير في غضون المحاضرة: «يا بان وادي الأجرع» ؛ و قال:
أشتهي أن يكمّل لي هذا المطلع، ففكر قليلا و قال: «سقيت غيث الأدمع» . فقال: و اللّه حسن، و لكن الأقرب إلى الطريق الغراميّ أن تقول: «هل ملت من طرب معي» [٢] .
و قد اتخذ ابن حجّة من هذه النكتة درسا جعله يطبّق آراءه النقدية على نفسه، فعمد إلى ديوان صفيّ الدين الحلي و ديوان جمال الدين بن نباتة و أكثر من مطالعتهما ثم عمد إلى ديوان المتنبي فطالعه، حتى اكتسب من الحليّ رقّة سحره، و من النباتيّ أحكام طريقته، كما كان لشعر المتنبي عنده أثر كبير.
و لم يكتف ابن حجّة بالموهبة و المراس و الدربة لصقل الشاعريّة، بل يطلب من الشاعر أن يرجع إلى شعره بعد نظمه فينقّحه و يهذّبه مستعينا بأهل النقد و الذوق، و قد طبّق هذا المبدأ على نفسه أوّلا، فقد كان ينظم البيت ثم يهدمه ثم يعيد بناءه حتى يعبّر
[١] انظر خزانة الأدب و غاية الأرب ١/٣٢٧.
[٢] خزانة الأدب و غاية الأرب ١/٣٢٧-٣٢٨.