اصول البحث - الفضلي، الشيخ عبد الهادي - الصفحة ٢٢١ - أدلة الحجية من العقل
المصالح التي بنيت عليها أحكام الشريعة معقولة، أي مما يدرك العقل حسنها، كما أنه يدرك قبح ما نهى عنه، فإذا حدثت واقعة لا نص فيها «و بنى المجتهد حكمه فيها على ما أدركه عقله من نفع أو ضرر، كان حكمه على أساس صحيح معتبر من الشارع، و لذلك لم يفتح باب الإستصلاح إلا في المعاملات و نحوها مما تعقل معاني أحكامها فلا تشريع فيها بالإستصلاح» [١] .
و هذا الإستدلال لا يتم إلا على مبنى من يؤمن بالتحسين و التقبيح العقليين، و الدليل كما ترون قائم على الإعتراف بإمكان إدراك العقل لذلك.
و قد سبق أن قلنا: إن العقل قابل للإدراك، و لو أدرك على سبيل الجزم كان حجة قطعا لكشفه عن حكم الشارع، و لكن الإشكال، كل الإشكال، في جزمه بذلك لما مر من أن أكثر الأفعال الصادرة عن المكلفين، إما أن يكون فيها اقتضاء التأثير أو ليس فيها حتى الإقتضاء، و ما كان منها من قبيل الحسن و القبح الذاتيين فهو نادر جدا، و أمثلته قد لا تتجاوز العدل و الظلم و قليلا من نظائرهما.
و ما فيه الإقتضاء يحتاج إلى إحراز تحقق شرائطه و انعدام موانعه، أي إحراز تأثير المقتضى و هو مما لا يحصل به الجزم غالبا لقصور العقل عن إدراك مختلف مجالاته، و ربما كان بعضها مما لا يناله إدراك العقول كما مر عرض ذلك مفصلا.
٢- قولهم: «إن الوقائع تحدث و الحوادث تتجدد، فلو لم يفتح للمجتهدين باب التشريع بالإستصلاح ضاقت الشريعة الإسلامية عن مصالح العباد و قصرت عن حاجاتهم، و لم تصلح لمسايرة مختلف الأزمنة و الأمكنة و البيئات و الأحوال مع أنها الشريعة العامة لكافة الناس، و خاتمة الشرائع السماوية كلها» [٢] .
(١، ٢) مصادر التشريع، ص ٧٥.