على طريق الحضارة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٢ - الاستغفار مظهر النقد الذاتي
لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَ كَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَ تَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (آل عمران/ ١٩٣).
فحينما تهدأ الأنفس، وتسكن الأصوات، ينبعث الإنسان المؤمن من فراشه ليقف أمام الله سبحانه وتعالى، ويراجع ما صدر منه، ويحدّد أخطاءه، ومن ثم يشرع في حذفها من خلال العزم الراسخ على عدم العودة إليها. وهذه الروح العالية تعني «النقد الذاتي»، ومن لا يمتلك هذه الروح لابدّ وأن يلقي بتبعات تقاعسه، وتخلّفه على رقاب الآخرين.
وفي هذا المجال يقول أميرالمؤمنين عليه السّلام:
«من وجد ماءاً وتراباً ثم افتقر فأبعده الله» [١]
. فالأرض الخضراء المعطاء موجودة، وكذلك الطبيعة السخيّة، فلماذا إذن يشكو الإنسان الفقر، ولماذا يتقاعس ويتكاسل؟؟ إنّ هذا التخلّف يتكرّس في ذاته عندما يفقد صفة النقد الذاتي.
وعلى سبيل المثال فإنّ بعض علماء المنطق الاجتماعي يقولون إنّ بين بعض الشعوب البدائية جماعات معيّنة تربط بين الحوادث التي تقع عليها وبين بعض الأحداث البعيدة. فإذا مرض طفل منهم فإنّهم لا يحيلون أسباب مرضه إلى القذارة، وعدم الالتزام بالنظافة، وعدم الاهتمام بالطعام وما إلى ذلك من أسباب طبيعيّة، وإنما لأنّ والده رأى مثلًا قبل فترة من الزمن في غابة ما ثعباناً قتل ثعباناً آخر فتسبب ذلك في مرض الطفل!
[١] - وسائل الشيعة، ج ١٢، ص ٢٤.