في رحاب القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٧ - سر إعجاز القرآن
ثانياً: أن القرآن كله حكمة فهو يمنح البشرية أُصول الحياة ولو أنها تمسكت بها لعاشت عيشة راضية في الدنيا، ولتمنّت القرب من الخالق الحكيم عز وجل. والحكمة قد تختص بالطعام والشراب، فتقول كلمة واحدة تحوي جميع أصول هذين الأمرين وهي (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا) وقد تأتي في إطار العلاقات الإجتماعية العامة، فتأمر الناس بنصها القائل (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شنئانُ قَوْمٍ عَلَى الَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) [١]، حيث توضح أن العدل هو صمام الأمان في طبيعة العلاقات بين أفراد الإنسانية جميعاً. وهكذا الأمر بالنسبة لسائر الحكم القرآنية الخاصة بتبين أصول الحياة.
ثالثاً: أن كتاب الله عبارة عن نصوص بلاغية تفيض بالإعجاز والتحدي، حتى أن عنوانه واسمه آية في إعجاز التعبير. فإذا اراد كاتب خبير أن يعبّر- مثلًا- عن ضرورة شرعية وإجراء القصاص، فكم سيستغرق من وقت حتى يصل إلى نص قوله سبحانه وتعالى (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) [٢] بل إنّه من المستحيل أن يصل ابن آدم إلى هذا التعبير، وإن أي تعبير سيضعه قياساً بهذا التعبير القرآني سيكون فاشلًا سلفاً.
وهكذا كان علم القرآن وحكمته وبلاغته وتعبيره الدقيق، آيات إعجازه الأبدية المستحيلة على تصورات الإنسان البليدة.
[١] المائدة/ ٨.
[٢] البقرة/ ١٧٩.