القرآن حكمة الحياة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥ - القرآن ليس ككل الكتب الأخرى
والفطرية والوجدانية متوافرة على أن الإنسان لابد أن يُبعث بعد الموت، ولكن الحالة النفسية عند الإنسان تُملي عليه أن لا يصدق بالبعث على اعتبار أن هذا التصديق سوف يفرض عليه مجموعة كبيرة من الالتزامات التي لا يريد أن يقيِّد نفسه بها، ولنفس هذا السبب فإنّ الإنسان ينكر الموت نفسه رغم أنه يؤمن به نظرياً، فهل يصدِّق الواحد منّا أنه سيموت بالفعل وهو يمتلك عيناً تنظر، وأُذناً تسمع، ويداً تبطش، ورجلًا تتحرك وأعضاء جسمه كلها تعمل وفق المستوى المطلوب؟ ولكنّ الحقيقة أن هذا الإنسان يمكن أن يموت في أي لحظة لسبب بسيط، فنحن لا نعرف هل إنّ أسماءنا مكتوبة غداً ضمن الأحياء أم الأموات؟
إنّ الموت هو مجرد لحظة واحدة يمر بها الإنسان ليذهب إلى عالَم لا عودة منه، عالَم لا أحد يعرف ما يجري فيه على الإنسان، وبالطبع فإننا نذكر الإنسان الميت بالخير أو بالشر حسب سيرته، ولكن كلامنا يختلف عمّا هو عند الملائكة، فهي تمتلك سجلات أُحصيَ فيها عدد أنفاس الإنسان، وقطرات الماء الذي شربه، وذرات الطعام الذي أكله، بل وحتى الهواجس في ذهنه وأفكاره ونياته، فالله تعالى يقيس حتى نيّة الإنسان، فهو لا يعرف وزن الهواء والضياء والريح فحسب بل إنه يعرف أيضاً وزن النيّة والإرادة.
ومع كل تلك العبر والمواعظ البالغة فإننا سرعان ما نرجع إلى غفلتنا، فنحن لا نصدق عملياً بالموت رغم أنه يمثل حقيقة قريبة منّا نعيشها كل يوم كما يقول الشاعر