المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٩
و بين العباد مع هذا النقص في التوحيد كان خيرا لك، إذ فضّلت وعد يهوديّ على ضمان اللّه تعالى بالرزق.
و قال: قال إمام المسجد لبعض المصلّين: من أين تأكل؟ فقال: يا شيخ اصبر حتّى أعيد الصلاة الّتي صلّيتها خلفك ثمّ أجيبك.
و قال في باب أعمال المتوكّلين: أعلى درجات التوكّل هو أن يدور في البوادي بغير زاد ثقة بفضل اللّه تعالى عليه و تقويته على الصبر أسبوعا و ما فوق، أو تيسير حشيش له أو قوت، أو تثبيته على الرضا بالموت إن لم يتيسّر له شيء.
و قال أيضا: كان بشر يعمل بالمغازل فتركها، و ذلك لأنّ البعادي كاتبه قال:
بلغني أنّك استعنت على رزقك بالمغازل أ رأيت إن أخذ اللّه سمعك و بصرك الرزق على من؟ فوقع ذلك في قلبه فأخرج آلة المغازل من يده و تركها.
و قال أيضا: قال الخواص بعد أن سئل عن أعجب ما رآه في أسفاره: رأيت الخضر- عليه السّلام- و رضي بصحبتي و لكنّي فارقته خيفة أن تسكن نفسي إليه فيكون نقصا في توكّلي.
و قال أيضا: الاهتمام بالرزق قبيح بذوي الدّين و هو بالعلماء أقبح لأنّ شرطهم القناعة، و العالم القانع يأتيه رزقه و رزق جماعة كثيرة كانوا معه إلّا إذا أراد أن لا يأخذ من أيدي الناس و يأكل من كسبه، فذلك له وجه لائق بالعالم العامل الّذي سلوكه بظاهر العلم و العمل و لم يكن له سير بالباطن، فإنّ الكسب يمنع عن السير بالفكر الباطن فاشتغاله بالسلوك مع الأخذ من يد من يتقرّب إلى اللّه تعالى بما يعطيه أولى لأنّه تفرّغ للَّه عزّ و جلّ، و إعانة للمعطي على نيل الثواب.
و قال في كتاب الزهد: أرباب الأحوال قد تغلبهم حالة يقتضي أن يكون السؤال مزيدا لهم في درجاتهم و لكن بالإضافة إلى حالهم فإنّ مثل هذه
«الأعمال بالنيّات»
و ذلك كما روي أنّ بعضهم رأى أبا إسحاق النوري يمدّ يده و يسأل الناس في بعض المواضع، قال: فاستعظمت ذلك و استقبحته له فأتيت الجنيد فأخبرته بذلك فقال: لا يعظم هذا عليك، فإنّ النوري لم يسأل الناس إلّا ليعطيهم و إنّما سألهم ليثيبهم في الآخرة