التعليقات - ابن سينا - الصفحة ٥٣ - بطلان نظرية المعتزلة فى اثبات الواجب و صفاته
ناقصا و هى له من خارج و مكتسبة قالوا هى له من ذاته و أنها صفات له، و لم يعلموا أن ذاته فعالة للأشياء بآنية و أنه أرفع مما ذهبوا إليه.
من خواص ممكن الوجود بذاته أنه يحتاج إلى شىء واجب وجوده حتى يوجده و إذا وصف الأول بأنه قادر على ما يقولونه و هو أنه ما يصح أن يصدر عنه الفعل أو أنه إذا شاء فعل، فقد شبهوه فى هذه القدرة و المشيئة بالإنسان، إذ هو قادر على أن يفعل إذا شاء و معناه أنه يفعل بسبب داع يدعوه إليه، و أنه يفعل إذا كان سبب مرجّح و لا يخلو البتة عن القوة فلا يكون بالفعل قادرا. و لا يغنى عنهم قولهم: إنه قادر لذاته لا بقدرة. فليس معنى القادر عندهم إلا ما ذكر. و إذا كان الأول واجبا بذاته و جعل القدرة له بالامكان فقد صار شيئا واحدا واجبا و ممكنا، أو يكون الإمكان صفة لواجب الوجود بذاته، و هذا محال. فيجب أن يكون كل شىء فيه واجبا و بالفعل، لأنه واجب الوجود بذاته، و نحن إنما نعنى بقولنا أنه قادر بالفعل أن قدرته علمه، فهو من حيث هو قادر عالم أى علمه سبب لصدور الفعل عنه، و ليست قدرته بسبب داع يدعوه إليه، فقدرته علمه.
معنى القادر عندهم هو ما يجوز أن يصدر عنه الفعل.
كل ما كان ممكن الوجود بذاته فإنه يوجد بغيره لا محالة، و لا يصح وجوده بذاته و ما دام ممكن الوجود بغيره لا يكون موجودا و يكون ممكن الوجود بغيره فإذا زال إمكان وجوده بغيره صار موجودا، إلا أن إمكان وجوده بذاته لا يزول عنه البتة لأن ذلك له بذاته و إمكان وجوده بغير هو بعلة، و لا يكون له من ذاته، فيصح أن يزول هذا الإمكان عنه إذ ليس له ذلك من ذاته.
النفس مضطرة فى صورة مختارة، و حركاتها تسخيرية أيضا كالحركة الطبيعية فإنها تكون بحسب أعراض و دواع فهى مسخرة لها. إلا أن الفرق بينها و بين الطبيعية أنها تشعر بأغراضها، و الطبيعة لا تشعر بأغراضها، و الأفعال الاختيارية فى الحقيقة لا تصح إلا فى الأول وحده، و حركة الأفلاك تسخيرية إلا أنها ليست بطبيعية فإن الحركات الطبيعية تكون على سبيل اللزوم، و ما يلزم سببا ليس يلزم نقيضه أيضا فى حالة واحدة و المحرك فى الفلك يحرّك من نقطة إلى تلك النقطة بعينها، فهى ترك موضع و قصده معا.
عند المعتزلة أنّ الاختيار يكون بداع أو سبب، و الاختيار بالداعى يكون اضطرارا، و اختيار البارى و فعله ليس لداع.