التعليقات - ابن سينا - الصفحة ٤٧ - سبب إجابة الدعاء
ليحفظ بها نظام الكل. و الشىء الواحد الجزئى الذي تتوافى إليه الأسباب و إن كان مستنكرا فى العقل كسرقة السارق و زنا الزانى لو لم يكن نظام العالم محفوظا فإن الأسباب المؤدية إليه هى الأسباب فى حفظ نظام العالم و هو كالضرورى التابع لها. و العقوبة التي تلحق الزانى و الظالم إنما تقع عليهما لحفظ نظام الكل، فإنه إن لم يتوقع المكافأة أو لم يخف المكافأة على ظلمه و فعله الشر و القبيح لم يقلع عن فعله و لم ينزجر فلم يبق نظام الكلّ محفوظا.
و دخول الشرّ فى القضاء الإلهى هو أن ذلك الشر تابع للضرورى الذي هو من القسم الثاني. و هذا الضرورى قد صرّف بالتدبير الإلهى حفظ نظام الكل على أتم ما يمكن أن يكون كالشيخوخة و الموت، فإن الشيخوخة أمر ضرورى تابع و قد جعلت علة لطهارة النفس و كسر قواها الحيوانية، و الموت جعل علة لوجود أشخاص و نفوس لا نهاية لها كانت تستحق الوجود.
حصول الضوء فى القابل له هو من جهة واهب الصور، و يكون حصوله فيه هو زوال العائق عنه الذي هو الظلمة و تمام استعداده لقبوله.
الضوء هو انفعال فى القابل من المضيء أو حصول أثر فيه من واهب الصور.
الألوان إنما تحدث فى السطوح من حصول المضيء، و ليست فى ذواتها موجودة:
و هى أعراض تحصل بواسطة المضيء. و سبب كونها مختلفة و أن بعضها أبيض و بعضها أسود و بعضها فى كذا، اختلاف الاستعدادات فى المواد.
لا يجوز أن يكون المضيء موجودا و الضوء غير موجود و يجب أن يكونا معا من غير زمان، و ذلك كالهيولى و الصورة فإن وجودهما معا بلا زمان. فإنه كما توجد الصورة من واهب الصور توجد الهيولى بالفعل.
[سبب إجابة الدعاء]
سبب إجابة الدعاء توافى الأسباب معا لحكمة إلهية، و هو أن يتوافى دعاء رجل مثلا فيما يدعو فيه و سبب وجود ذلك الشىء معا عن البارى. فإن قيل: فهل كان يصح وجود ذلك الشىء من دون الدعاء و موافاته لذلك الدعاء؟ قلنا: لا، لأن علتهما واحدة و هو البارى، و هو الذي جعل سبب وجود ذلك الشىء الدعاء كما جعل سبب صحة هذا المريض شرب الدواء، و ما لم يشرب الدواء لم يصح. و كذلك الحال فى الدعاء و موافاة ذلك الشىء فلحكمة ما توافيا معا على حسب ما قدر و قضى. فالدعاء واجب، و توقع الإجابة واجب. فإن انبعاثنا للدعاء يكون سببه من هناك، و يصير دعاؤنا سببا للإجابة و موافاة الدعاء لحدوث الأمر المدعو لأجله هما معلولا علة واحدة، و ربما يكون أحدهما بواسطة الآخر. و قد يتوهم أن السماويات تنفعل من الأرضية، و ذلك أنا ندعوها فتستجيب لنا