التعليقات - ابن سينا - الصفحة ١٥٢ - حقيقة العقل البسيط
آخر يمانعه. و معنى ممانعة المعلوم الآخر الذي يمانعه هو مثلا أن يكون داع يدعو على إنسان بالبوار، و بواره يتم فساد مزاجه. و يكون معلوما له أيضا من جانب آخر أن ذلك المزاج يجب أن يكون صحيحا، فلا يصح أن يكون الدعاء مستجابا. و قوله:
«من جانب آخر» أى من أسباب ذلك المزاج. و إن علم من أسبابه أنه لا يجب أن يكون صحيحا كان الدعاء مستجابا فلا يكون هناك ممانعة معلوم آخر. و لذلك يجب أن لا يدعو أحد على أحد فإنه لا محالة قد علم فى سابق علمه أن هذا الداعى يدعو فإذا دعا دلّ على أنه كان معلوما له، و كل ما كان معلوما له فلا يمتنع وجوده.
الأول هو السبب فى لزوم المعلومات له و وجوبها عنه، لكن على ترتيب و هو ترتيب السبب و المسبّب فإنه مسبّب لأسباب، و هو سبب معلوماته، فيكون بعض الشىء متقدما علميته له على بعض، فيكون بوجه ما علة لأن عرف الأول معلولها و بالحقيقة فإنه علة كل معلوم و سبب لأنّه علم كل شىء. و مثال ذلك أنه علة لأن عرف العقل الأول، ثم إن العقل الأول هو علة لأن عرف لازم العقل الأول فهو و إن كان سببا لأن عرف العقل الأول و لوازمه فبوجه ما صار العقل الأول علة لأن عرف الأول لوازم ذلك العقل الأول.- و الأمر فى الدعاء (٥٣ ا) كذلك فإنه بالحقيقة هو السبب فى دعاء الداعى و سبب للداعى ثم إن الداعى هو سبب لأن عرف دعاءه فإنه بوساطته يكون الدعاء معلوما له، فيكون الداعى بوجه ما سببا لأن عرف الأول دعاءه و ليس يؤثر الداعى بالحقيقة فى الأول بل هو بالحقيقة المؤثر لا الداعى.
[حقيقة العقل البسيط]
العقل البسيط هو أن يعقل الشىء و لوازمه إلى أقصى الوجود معا، لا بقياس و فكر و تنقّل فى المعقولات و معرفة الشىء أولا و اللوازم ثانيا بل كما يحضر الذهن فيك أنت معنى ما معقولا: حضر الذهن معه لوازمه و أسبابه و علله من غير أن يحتاج إلى مقايسة و فكر بل يكون نفس عقلك للمعنى نفس عقلك لأسبابها و عللها و لوازمها، و ذلك بأن تكون قد حصلت أولا معرفة المعنى و معرفة اللوازم و الأسباب و العلل و حصلت كلها حاضرة فى ذهنك فلا تحتاج فيها إلى تنقل صور من شىء إلى شىء. فهذا النحو من التعقل بسبب تعقل الأول لذاته و للوازم عنها و للموجودات كلها: حاصلها و ممكنها أبدياتها و كائنها و فاسدها و كليّها و جزأيها، فإنه يعقلها كلها معا على الترتيب السببى و المسبّبى و هو تعقلها من ذاتها لأنها فائضة عنه و ذاته مجردة. فهو عاقل ذاته و ذاته معقولة فهو عاقل و معقول، و الموجودات كلها معقولة على أنها عنه لا فيه.