التعليقات - ابن سينا - الصفحة ١٤ - علم الواجب
محالا أن يكون علمه غدا كعلمه فى هذا اليوم، بل قد تغير. و أما أنه كيف يكون علمه فهو أن يكون بسبب، أعنى أن يكون يعرف الموجودات كلها على وجه كلى، و إذا كانت الأشياء كلها واجبة عنده إلى أقصى الوجود فإنه يعرفها كلها، إذ كلها من لوازمه و لوازم لوازمه. و إذا علم أنه كلما كان كذا كان كذا، أعنى جزئيا، و كلما كان كذا كان كذا، أعنى جزئيا آخر، و تكون هذه الجزئيات مطابقة لهذا الحكم- يكون قد عرف الجزئيات على الوجه الكلى الذي لا يتغير، الذي يمكن أن يتناول أى جزئى كان لا هذا المشار إليه. إلا أن هذا الجزئىّ لما تخصص فلأسباب مخصصة جزئية أيضا.
و الجزئيات قد تعرف على وجه كلى ما لم يكن مشارا إليها أو مستندة إلى مشار إليه.
مثال ذلك أنك إذا قلت: من سقراط، فتقول: هو الذي ادعى النبوة و قتل ظلما و ابن ملك- فإن هذا كله يمكن حمله على كثيرين ما لم تسنده إلى شخصى، فتقول هو ابن هذا الإنسان المشار إليه، فإن سقراط حينئذ مشار إليه إذ أسندته إلى مشار إليه.
فواجب الوجود لا يجوز أن يكون علمه بالجزئى بحيث يكون مشارا إليه كالكسوف مثلا: فنقول هذا الكسوف المشار إليه أو الكسوف الذي يكون فى هذا اليوم أو غدا فإنه يعرف غدا أيضا على وجه كلى، فإنه يعرفه بعد زمان كذا و حركة كذا فلا يعرفه مشارا إليه. و واجب الوجود مع إحاطة علمه بالجزئيات و نظام الموجودات على وجه كلى فلذلك يعلم أن نظام العالم هو نظام واحد، أى هذا النظام المعقول، فيكون قد أحاط علمه به على وجه كلى. فإنه إن لم يحط علمه بوحدانية النظام المعقول له لا يكون قد عرف العالم على حقيقته. و مثال هذا أن منجما إذا قال المقارنة فى هذا الوقت تقارن القمر كذا، يكون العلم به متغيرا لأن هذه المقارنة بعينها لا تقع على غيرها فلهذا يبطل العلم مع بطلان هذه المقارنة. فهذه المقارنة متشخصة بزمان متشخص و هو هذا الوقت لأنها كانت فى هذا الوقت، فلا يمكن حملها على غيرها. فالأول إذا كان يعرف من ذاته لوازمه و لوازم لوازمه على ترتيب السّببى و المسبّبى و يعلم أنه كلما كان كذا كان كذا أىّ مسبّب عن ذلك السبب إذ هو مسبّبه المطابق له فإنه يكون عارفا بالأشياء كلها على وجه كلى. و نحن لا نعرف الأسباب كلها و إلا كان علمنا علما كليا لا يتغير لو أدركنا الشىء بأسبابه، و مع ذلك فإننا لا ننفكّ عن التصور و التعقل؛ و معارضة الوهم تنقضه.
و بعض الأسباب متوهمة لا معقولة: و مثال هذا أن منجما يعلم أن الكوكب الفلانى كان أولا فى الدرجة الفلانية فصار إلى الدرجة الفلانية، ثم بعد كذا ساعة قابل الكوكب الفلانى و قد دخل بعد كذا ساعة فى الكسوف، ثم يبقى بعد كذا كذا ساعة فى ذلك الكسوف، ثم فارق الشمس و انجلى. و يكون قد عرف كل ذلك بأسبابه و لا يكون