شرح الاشارات و التنبيهات للمحقق الطوسى - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٧٣
أحد ألفاظ الصنع- و الفعل و الإيجاد مع اختلاف دلالتها في اللغة العربية- بل أوردها جميعا- تنبيها على أن المقصود هو المعنى المشترك بينهما- و لما كان الفعل منها- كأنه أول على ذلك المعنى مجردا- و الإيجاد و الصنع كأنهما أشمل لاعتبار شيء آخر- فوضع الفعل بإزاء ذلك المعنى دونهما- و إنما عدل المتكلمون عن العرف- لادعائهم أن نصوص التنزيل و أهل اللغة- بأن الله فاعل يطابق قولهم بأنه فاعل بإرادة- لأن الفاعل في اللغة هو الفاعل بالإرادة- فرد الشيخ ذلك عليهم باستشهاد العرف- و لو أنهم قالوا نحن نصطلح على تخصيص العرف- لم يكن للشيخ عليهم سبيل- و قول هذا الفاضل أن الحق معهم من جهة اللغة- لأن أهل اللغة لا يقولون للنار فاعل للإحراق- و لا للماء فاعل للتبريد ليس بشيء- و الدليل عليه ما جاء في كلامهم- توقوا أول البرد و تلقوا آخره- فإنه يفعل بأبدانكم ما يفعل بأشجاركم- و قول الشاعر-
و عينان قال الله كونا فكانتا فعولان بالأبدان ما يفعل الخمر
و أمثال ذلك فإنها أكثر من أن يحصى- و بالجملة إذا جاز من حيث اللغة- أن يقال فعل البرد و الخمر- فما المانع من أن يقال فعل بغير إرادة- فإن ادعى أحد أنه مجاز فعليه الدليل- مع أن دعوى المجاز تقتضي تسليم صحة الاستعمال- و ذلك يدل على خلو الكلام عن التناقض- على أن أهل اللغة فسروا الفعل بإحداث شيء ما فقط- و هذا يدل على ما ذهبنا إليه قوله فإذا كان مفهوم الفعل ذلك- أو كان بعض مفهوم الفعل- فليس (٢١٨) يضرنا ذلك في غرضنا- ففي مفهوم الفعل وجود و عدم- و كون ذلك الوجود بعد العدم- كأنه صفة لذلك الوجود محمولة عليه- فأما العدم فلن يتعلق بفاعل وجود المفعول- و أما كون هذا الوجود موصوفا بأنه بعد العدم- فليس بفعل فاعل و لا جعل جاعل- إذ هذا الوجود لمثل هذا الجائز العدم- لا يمكن أن يكون إلا بعد العدم- فبقي أن يكون تعلقه من حيث هو هذا الوجود-