ألفية السيرة النبوية ـ نظم الدرر السنية الزكية - العراقي، زين الدين - الصفحة ٥١ - ذكر تأييده
فقائل يقول: هذا سحر* * * و قائل: في أذنيّ وقر
و قائل يقول ممّن قد طغوا:* * * لا تسمعوا له، و فيه فالغوا [١]
و هم إذا بعض ببعض قد خلا* * * اعترفوا بأنّ حقّا ما تلا
و أنّه ليس كلام البشر* * * و أنّه ليس له بمفتري
اعترف الوليد، ثمّ النّضر* * * و عتبة بذاك، و استقرّوا
و ابن شريق باء و هو الأخنس* * * كذا أبو جهل، و لكن أبلسوا [٢]
- المعنى: صرفهم؛ أي: أعجزهم بكلامه و ما فيه من فنون الكلام التي يعرفونها و ينظمون على منوالها، حيث بلغت تلك الفنون رتبة عجزت عقولها عن أن تنظم كلاما يباري كلام اللّه عز و جل، و كلام المصنف (رحمه اللّه) يؤذن بذلك، فقد بدأ هذا الفصل بقوله:
و جعل اللّه له القرآنا* * * آية حق أعجزت برهانا
و ختمه بقوله:
معجزة باقية على المدى* * * حتى إلى الوقت الذي قد وعدوا
و إذا أقيم معنى الصرفة على المعنى الاصطلاحي .. انتفى كون القرآن الكريم معجزا في ذاته، و لا سيما و أن القول بالصرفة على المعنى الاصطلاحي مردود من وجوه كثيرة، و قد أحسن الإمام ابن حجر الهيتمي في كتابه «المنح المكية» (ص ٧٩٦) الردّ على القائلين بالصرفة فقال: (لكن أفسدوه- أي: القول بالصرفة- بأن قوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ الآية دليل على عجزهم مع بقاء قدرتهم، و لو سلبوا القدرة .. لم يبق فائدة لاجتماعهم؛ لأنه حينئذ بمنزلة اجتماع الموتى، و ليس اجتماع الموتى مما يحتفل بذكره، هذا مع أن الإجماع منعقد على أن إضافة الإعجاز إلى القرآن، و القول بالصرفة يلزمه إضافته إلى اللّه تعالى لا إلى القرآن، و حينئذ يلزمه زوال الإعجاز بزوال التحدي، و فيه خرق لإجماع الأمة أن معجزة الرسول العظمى باقية، و لا معجزة له باقية أظهر من القرآن، و يلزم الصرفة أيضا أنه لا فضيلة للقرآن على غيره).
و من أراد المزيد فعليه بما في مطولات كتب العقيدة، و عليه ب «دلائل الإعجاز» للجرجاني، و «الظاهرة القرآنية» لمالك بن نبي، و اللّه أعلم.
[١] فالغوا: فتكلموا بكلام باطل.
[٢] أبلسوا: أسكتوا لحيرة أو انقطاع حجة.