تفسير الثعلبي (الكشف والبيان) - الثعلبي - الصفحة ٦٣
(سُورَةٌ أَنْزَلْناها) قراءة العامة بالرفع : هذه سورة لأنّ العرب لا تبتدئ بالنكرة ، هذا قول الخليل ، وقال الأخفش : (سُورَةٌ) ابتداء وخبره في (أَنْزَلْناها) ، وقرأ طلحة بن مصرف [١] : سُورَةً بالنصب على معنى أنزلنا سورة ، والكناية صلة زائدة ، وقيل : اتّبعوا سورة أنزلناها (وَفَرَضْناها) أي أوجبنا ما فيها من الأحكام ، وقرأ الحسن ومجاهد وابن كثير وأبو عمرو : وفرّضناها بالتشديد أي فصّلناها وبيّنّاها ، وقيل : هو من الفرض والتشديد على التكثير أي جعلناها فرائض مختلفة ، وأوجبناها عليكم وعلى من بعدكم إلى قيام الساعة ، وتصديق التخفيف قوله سبحانه (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ) [٢].
(وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي) إذا كانا حرّين بالغين بكرين غير محصنين (فَاجْلِدُوا) فاضربوا (كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ) رحمة ورقّة.
قال الأخفش : رحمة في توجّع وفيها ثلاث لغات : (رَأْفَةٌ) ساكنة الهمز وقد تخفف الهمزة ، وهي قراءة العامة ، ورَأَفَةٌ بفتح الهمزة ، ورَآفَةٌ مهموزة ممدودة مثل الكتابة ، وهما قراءة أهل مكة مثل الشناة والشنآة [٣] ، وقيل : القصر على الاسم والمدّ بمعنى المصدر مثل صؤل صآلة ، وقبح قباحة ، ولم يختلفوا في سورة الحديد أنها ساكنة لأنّ العرب لا تجمع بين أكثر من ثلاث فتحات.
واختلف العلماء في معنى الآية فقال قوم : (وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ) فتعطّلوا الحدود ولا تقيموها.
روى المعمّر عن عمران قال : قلت لأبي مخلد في هذه الآية : والله إنا لنرحمهم أن يجلد الرجل أو تقطع يده فقال : إنّما ذاك أنّه ليس للسلطان إذا رفعوا إليه أن يدعهم رحمة لهم حتى يقيم عليهم الحدّ ، وهذا قول مجاهد وعكرمة وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير والنخعي والشعبي وابن زيد وسليمان بن يسار ، يدلّ عليه من الآية أنّ الله سبحانه وتعالى أمر بالجلد ، وهو ضرب الجلد كالرأس لضرب الرأس فذكر الضرب بلفظ الجلد لئلّا ينكأ [٤] ولا يبرح ولا تبلغ به اللحم.
وروى ابن أبي مليكة عن عبد الله بن عبد الله أنّ عبد الله بن عمر جلد جارية له فقال للجالد : اجلد ظهرها ورجليها وأسفلها وخفّفها ، قلت : فأين قول الله سبحانه (وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ)؟
[١] في النسخة الثانية : مضرف
[٢] القصص : ٨٥.
[٣] في النسخة الثانية : النشأة والنشآة.
[٤] في النسخة الثانية : يشدخ.