تفسير الثعلبي (الكشف والبيان) - الثعلبي - الصفحة ١٠٩
ثمّ وصفهم فقال (رِجالٌ) قيل : وجه تخصيص الرجال بالذكر في هذه البيوت أنّه ليس على النساء جمعة ولا جماعة في المساجد (لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ) قال أهل المعاني : إنّما خصّ التجارات لأنّها أعظم ما يشتغل بها الإنسان عن الصلوات وسائر الطاعات (وَلا بَيْعٌ) إن قيل : إنّ التجارة اسم يقع على البيع والشراء ، فما معنى ضم ذكر البيع الى التجارة؟ فالجواب عنه ما قال الواقدي أنّه أراد بالتجارة الشراء نظيره قوله سبحانه (وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً) [١] يعني الشراء.
(عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ) أي إقامة الصلاة فحذف الهاء الزائدة لأجل الإضافة ، لأنّ الخافض وما خفض عندهم كالحرف الواحد فاستغنوا بالمضاف إليه من الهاء إذ كانت الهاء عوضا من الواو ، ولأنّ أصل الكلمة أقومت إقواما فاستثقلوا الضمّة على الواو فسكّنوها فاجتمع حرفان ساكنان فأسقطوا الواو ونقلوا حركته الى القاف ، وأبدلوا من الواو المحذوفة هاء في آخر الحرف كالتكثير للحرف كما فعلوا في قولهم : عدة وزنة وأصلها وعدة ووزنة ، فلمّا أضيفت حذفت الهاء وجعلت الإضافة عوضا منها ، كقول الشاعر :
|
إنّ الخليط أجدّوا البين وانجردوا |
|
وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا [٢] |
أراد : عدة الأمر فأسقط الهاء منها لما أضافها.
(وَإِيتاءِ الزَّكاةِ) المفروضة عن الحسن.
وقال ابن عباس : الزكاة إخلاص الطاعة لله سبحانه وتعالى. قال ابن حيّان : هم أهل الصفّة.
وأخبرني ابن فنجويه قال : أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال : حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال : حدّثنا سلمة بن شبيب قال : حدّثنا عبد الرزاق قال : أخبرنا جعفر بن سليمان قال : أخبرني عمرو بن دينار مولى لآل الزبير عن سالم عن ابن عمر أنّه كان في السوق فأقيمت الصلاة ، فأغلقوا حوانيتهم فدخلوا المسجد فقال ابن عمر : فيهم نزلت (رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ).
وأخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد الدينوري قال : حدّثنا أبو سعيد أحمد بن عمر بن حبيش الرازي قال : حدّثنا علي بن طيفور النسائي قال : حدّثنا قتيبة قال : حدّثنا ابن لهيعة عن دراج عن أبي حجير عن أبي هريرة عن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : «إنّ للمساجد أوتادا الملائكة جلساؤهم يتفقّدونهم ، وإن مرضوا عادوهم وإن كانوا في حاجة أعانوهم» [٣] [٦٦].
[١] سورة الجمعة : ١١.
[٢] لسان العرب : ١ / ٦٥١.
[٣] مسند أحمد : ٢ / ٤١٨.