تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان في تفسير القران) - الثعالبي، أبو زيد - الصفحة ٤٩٨
وقوله تعالى: وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يحتملُ: أنْ يكونَ خِطَاباً مِنَ اللَّهِ تعالى، ويحتملُ: أنْ يَكُونَ إخباراً عَنِ الجِنِّ، وَعَبْدُ الله هو محمّد صلّى الله عليه وسلّم، والضميرُ في كادُوا يحتملُ: أنْ يكونَ لكفارِ قريشٍ، وغيرِهم في اجتماعهم على رَدِّ أمرِهِ صلّى الله عليه وسلّم، وقيلَ: الضميرُ للجِنِّ، والمعنى أنهم كادوا يَتَقَصَّفُونَ عليه [١] لاسْتِماعِ القرآن، وقال ابن جبير: معنى الآيةِ أنَّها قَوْلُ الجِنِّ لقومِهم يحكُون لَهُم، والعبد محمّد ع [٢] ، والضميرُ في كادُوا لأَصْحَابهِ الذينَ يُطِيعُونَ له ويَقْتَدُونَ بهِ في الصلاةِ فَهُمْ عليه لِبَدٌ، واللِبَدُ:
الجماعاتُ شُبِّهَتْ بالشَّيءِ المُتَلبِّدِ، وقال البخاريُّ: قال ابن عبّاس: لِبَداً أعوانا [٣] ، انتهى، ويَدْعُوهُ معناه: يَعْبُدُه، وقيل: عبدُ اللَّهِ في الآيةِ المرادُ به نوحٌ، وقرأ جمهور السبعة: «قَالَ إِنَّمَا أَدْعُواْ رَبِّي» وقرأ حمزةُ وعاصمٌ وأبو عمرو بخلافٍ عنه [٤] : «قُلْ» ، ثم أمَرَ اللَّهُ تعالى محمّدا ع بالتَّبَرِّي مِنَ القُدْرَةِ، وأنَّه لاَ يَمْلِكُ لأَحَدٍ ضَرًّا ولا نفعاً، والملتَحَدُ: المَلْجَأُ [٥] الذي يُمَال إليه، ومنه الإلحاد وهو الميل.
[سورة الجن (٧٢) : الآيات ٢٣ الى ٢٤]
إِلاَّ بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً (٢٣) حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً (٢٤)
وقوله: إِلَّا بَلاغاً قال قتادة: التقدير: لا أمْلِكُ إلاَّ بَلاَغاً إلَيْكُمْ، فأمَّا الإيمانُ وَالكُفْرُ، فَلاَ أَمْلِكُهُ [٦] ، وقال الحسن: ما معناه أَنَّه استثناء منقطع، والمعنى: لن يجيرني من
[١] أي يزدحمون عليه. ينظر: «لسان العرب» (٣٦٥٥) .
[٢] أخرجه الطبري (١٢/ ٢٧٢) ، رقم: (٣٥١٣٣) بنحوه، وذكره البغوي (٤/ ٤٠٤) ، وابن عطية (٥/ ٣٨٤) ، وابن كثير (٤/ ٤٣٢) .
[٣] أخرجه الطبري (١٢/ ٢٧٣) ، رقم: (٣٥١٤١) ، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٨٤) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٣٧) ، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم.
[٤] وحجة هؤلاء إجماع على ما بعده على الأمر فردّ ما اختلفوا فيه إلى ما أجمعوا عليه أولى. وحجة الباقين أن ذكر الغيبة قد تقدم، وهو قوله: «وأنه لما قام عبد الله» ، وقوله: «قال إنما أدعو» .
ينظر: «السبعة» (٦٥٧) ، و «الحجة» (٦/ ٣٣٣) ، و «إعراب القراءات» (٢/ ٤٠٢) ، و «حجة القراءات» (٧٢٩) ، و «معاني القراءات» (٣/ ٩٨) ، و «شرح الطيبة» (٦/ ٧٦) ، و «العنوان» (١٩٨) ، و «شرح شعلة» (٦١٠) ، و «إتحاف» (٢/ ٥٦٧) .
[٥] في د: الملتجأ.
[٦] أخرجه الطبري (١٢/ ٢٧٥) ، رقم: (٣٥١٥٠) .