تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان في تفسير القران) - الثعالبي، أبو زيد - الصفحة ٢٧٥
ت: وقد وردت أحاديث صحيحة في هذا الباب، لولا الإطالة لجلبناها.
وَلا يَغْتَبْ معناه: لا يذكرْ أحدُكم من أخيه شيئاً هو فيه، ويكره سماعه، وقد قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إذَا ذَكَرْتَ مَا في أَخِيكَ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإذَا ذَكَرْتَ مَا لَيْسَ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّه» [١] ، وفي حديث آخر: «الغِيبَةُ أَنْ تَذْكُرَ الْمُؤْمِنَ بِمَا يَكْرَهُ، قِيلَ: وَإنْ كَان حَقًّا؟ قَالَ: إذَا قُلْتَ بَاطِلاً فَذَلِكَ هُوَ الْبُهْتَانُ» [٢] وحكى الزهراوي عن جابر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ قال: «الغِيبَةُ أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا، قِيلَ: وَكَيْفَ؟! قال: لأَنَّ الزَّانِيَ يَتُوبُ فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَالَّذِي يَغْتَابُ لاَ يُتَابُ عَلَيْهِ حتى يَسْتَحِلَّ» [٣] ، قال ع [٤] : وقد يموت من اغْتِيبَ، أو يأبى، وروى أبو داودَ في «سننه» عن أنس بن مالك قال: قَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: «لَمَّا عُرِجَ بي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ، يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هؤلاء يَا جِبْرِيلُ؟! قَالَ: هؤلاء الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ في أَعْرَاضِهِمْ» [٥] انتهى.
والغِيبَةُ مشتقة من «غَابَ يَغِيبُ» وهي القول في الغائب، واسْتُعْمِلَتْ في المكروه، ولم يُبَحْ في هذا المعنى إلاَّ ما تدعو الضرورةُ إليه، من تجريح الشهود، وفي التعريف/ بمن استنصح في الخطاب ونحوهم: لقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لاَ مَالَ لَهُ» وما يقال في الفَسَقَةِ أيضاً، وفي وُلاَةِ الجَوْرِ، ويقصد به: التحذير منهم ومنه قوله ع:
«أعن الفاجر ترعوون؟! اذْكُرُوا الْفَاجِرَ بِمَا فِيهِ، مَتَى يَعْرِفُهُ النَّاسُ إذا لم تذكروه؟!» [٦] .
[١] أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٠١) كتاب «البر والصلة والآداب» باب: تحريم الغيبة (٧٠/ ٢٥٨٩) ، وأبو داود (٢/ ٦٨٥) كتاب «الأدب» باب: في الغيبة (٤٨٧٤) ، والترمذي (٤/ ٣٢٩) كتاب «البر والصلة» باب: ما جاء في الغيبة (١٩٣٤) ، وأحمد (٢/ ٢٣٠، ٣٨٦، ٤٥٨) .
[٢] ينظر: ما قبله. [.....]
[٣] أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٥/ ٣٠٦) باب: في تحريم أعراض الناس (٦٧٤١) عن أبي سعيد الخدري، وجابر.
قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ٩٤- ٩٥) : رواه الطبراني في «الأوسط» وفيه عباد بن كثير الثقفي وهو متروك اهـ.
وللبيهقي رواية عن أنس في «شعب الإيمان» (٥/ ٣٠٦) (٦٧٤٢) .
[٤] ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٥١) .
[٥] أخرجه أبو داود (٢/ ٦٨٥- ٦٨٦) كتاب «الأدب» باب: في الغيبة (٤٨٧٨) ، وذكره الألباني في «الصحيحة» (٢/ ٥٩) (٥٣٣) .
[٦] أخرجه البيهقي (١٠/ ٢١٠) كتاب «الشهادات» باب: الرجل من أهل الفقه يسأل عن الرجل من أهل الحديث، فيقول: كفوا عن حديثه لأنه يغلط أو يحدث بما لم يسمع، أو أنه لا يبصر الفتوى.
قال العجلوني في «كشف الخفاء» (١/ ١١٤) ، رواه ابن أبي الدنيا، وابن عدي، والطبراني، والخطيب عن معاوية بن حيدة، وقال في «التمييز» : أخرجه أبو يعلى، ولا يصح. اهـ. -