تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان في تفسير القران) - الثعالبي، أبو زيد - الصفحة ١٧٩
وقوله: بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ يعني قريشاً حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ، وذلك هو شرع الإسلام، والرسول [هو] محمّد صلّى الله عليه وسلّم ومُبِينٌ أي: يبين لهم الأحكام، والمعنى في الآية: بل أمهلتُ هؤلاءِ وَمَتَّعْتُهُمْ بالنعمة وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ يعني القرآن قالُوا هذا سِحْرٌ.
وَقالُوا يعني قريشا: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ يعني:
من إحدى القريتين، وهما مَكَّةُ والطَّائِفُ، ورجل مَكَّةَ هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ في قول ابن عباس وغيره [١] ، وقال مجاهد: هو عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ [٢] ، وقيل غير هذا، ورجل الطائف: قال قتادة: هو عُرْوَةُ بْنُ مسعود [٣] ، وقيل غير هذا، قال ع [٤] : وإنَّما قصدوا إلى من عظم ذكره بالسّنّ، وإلّا فرسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان أعظمَ من هؤلاء إذ كان المسمى عندهم «الأمين» ، ثم وَبَّخَهُم سبحانه بقوله: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ و «الرحمة» اسم عامٌّ يشمل النُّبُوَّةَ وغيرها، وفي قوله تعالى: نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ تزهيدٌ في السعايات، وعون على التّوكّل على الله عز وجل وللَّه دَرُّ القائل: [الرجز]
[كَمْ جَاهِلٍ يَمْلِكُ دورا وقرى ... [وعالم يسكن بيتا بالكرى] «٥»
لَمَّا سَمِعْنَا قَوْلَهُ سُبْحَانَه ... نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ زَالَ المِرَا «٦»
وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ قال: «إذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْراً أَرْضَاهُ بِمَا قَسَمَ لَهُ، وَبَارَكَ لَهُ فِيهِ، وَإذَا لَمْ يُرِدْ بِهِ خَيْراً، لَمْ يُرْضِهِ بِمَا قَسَمَ لَهُ، وَلَمْ يُبَارِكْ لَهُ فِيهِ» [٧] انتهى، وسُخْرِيًّا بمعنى التسخير، ولا مدخل لمعنى الهزء في هذه الآية.
[١] أخرجه الطبري (١١/ ١٨١) برقم: (٣٠٨٢٩) ، وذكره ابن عطية (٥/ ٥٢) ، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ١٢٦- ١٢٧) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٧٢١) ، وعزاه إلى ابن مردويه، وابن أبي حاتم.
[٢] أخرجه الطبري (١١/ ١٨١) برقم: (٣٠٨٣٠) ، وذكره البغوي (٤/ ١٣٧) ، وابن عطية (٥/ ٥٢) ، وابن كثير (٤/ ١٢٧) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٧٢١) ، وعزاه إلى ابن عساكر.
[٣] أخرجه الطبري (١١/ ١٨١) برقم: (٣٠٨٣١) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١٣٧) ، وابن عطية (٥/ ٥٢) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٧٢١) ، وعزاه إلى عبد بن حميد.
[٤] ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٥٣) .
(٥) سقط في: د.
(٦) ذكر بعضه ابن عطية في «المحرر» (٥/ ٥٣) .
[٧] ذكره السيوطي في «الجامع الكبير» (١١١٧) ، وعزاه للديلمي عن أبي هريرة. [.....]