نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت احسان عباس - المقري التلمساني - الصفحة ٣٧٨
تعجبوا [١] ، فاختاروا القاف، فابتدأ من أول الليل إلى أن طلع الفجر، وهو ينشد وزن:
أرق على أرقٍ ومثلي يأرق ... وسماره قد نام بعض وضل بعض، وهو ما فارق قافية القاف.
وقال أبو عمران ابن سعيد: دخلت عليه يوماً بدار الأشراف بإشبيلية، وحوله أدباء ينظرون في كتب منها ديوان ذي الرمة، فمد الهيثم يده [٢] إلى الديوان المذكور، فمنعه منه أحد الأدباء، فقال: يا أبا عمران، أواجب أن يمنعه مني وما يحفظ منه بيتاً، وأنا أحفظه فأكذبته الجماعة، فقال: اسمعوني وأمسكوه، فابتدأ من أوله حتى قارب نصفه، فأقسمنا عليه أن يكف، وشهدنا له بالحفظ.
وكان آية في سرعة البديهة، مشهوراً بذلك، قال أبو الحسن ابن سعيد: عهدي به في إشبيلية يملي على أحد الطلبة شعراً، وعلى ثانٍ موشحه، وعلى ثالثٍ زجلاً، كل ذلك ارتجالاً.
ولما أخذ الحصار بمخنق إشبيلية في مدة الباجي خرج خروج القارظين [٣] ، ولا يدري حيث ولا أين.
ومن شعره وقد نزل بداره عبيد السلطان، وكتب به إلى صاحب الأنزال:
كم من يدٍ لك لا أقوم بشكرها ... وبها أشير إليك إن خرست فمي
وقد استشرتك في الحديث فهل ترى ... أن يدخل الغربان وكر الهيثم
[١] ق ب: تعجبوا.
[٢] ب: فمد يده الهيثم.
[٣] يعني خرج ولم يعد، فعل القارظين المضروب بهما المثل في عدم الأوبة.