نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت احسان عباس - المقري التلمساني - الصفحة ١٤٢
قال: فتحسنت في عيني، وبدا ما أذهب الكلف عنها، وزحف أبو السائب وزحفت معه، ثم تغنت:
برح الخفاء فأيما بك تكتم ... ولسوف يظهر ما تسرّ فيعلم
ممّا تضمن من غريرة [١] قلبه ... يا قلب إنك بالحسان لمغرم
يا ليت أنّك يا حسام بأرضنا ... تلقي المراسي طائعاً وتخيّم
فتذوّق لذّة عيشنا ونعيمه ... ونكون إخواناً فماذا تنقم فقال أبو السائب: إن نقم هذا فأعضه الله تعالى بكذا وكذا من أبيه، ولا يكنى، فزحفت مع أبي السائب حتى فارقنا النمرقتين، وربت العجفاء في عيني كما يربو السويق بماء مزنة، ثم غنت:
يا طول ليلي أعالج السقما ... إذ حلّ [٢] كلّ الأحبّة الحرما
ما كنت أخشى فراقكم أبداً ... فاليوم أمسى فراقكم عزما فألقيت طيلساني، وأخذت شاذكونة [٣] فوضعتها على رأسي، وصحت كما يصاح على اللوبيا بالمدينة، وقام أبو السائب فتناول ربعة [٤] في البيت فيها قوارير ودهن، فوضعها على رأسه، وصاح صاحب الجارية وكان ألثغ: قوانيي، يعني قواريري، فاصطكت القوارير وتكسرت، وسال الدهن على رأس أبي السائب وصدره، وقال للعجفاء: لقد هجت لي داء قديماً، ثم وضع الربعة. وكنا نختلف إليها حتى بعث عبد الرحمن بن معاوية صاحب الأندلس فابتيعت له العجفاء، وحملت إليه.
[١] الأغاني: عزيرة.
[٢] ق ودوزي: أدخل.
[٣] الشاذكونة: مضربة كبيرة.
[٤] الربعة: جونة العطار.