المعالم الأثيرة في السنة و السيرة - حميد الله، محمد - الصفحة ١٩٦ - العقيق
كان زمن عمر، أخذ منه العقيق الأدنى من المدينة و ترك له الأقصى الذي به ذو الحليفة. قال عبد اللّه بن أبي بكر: لما ولي عمر قال: يا بلال، إنك استقطعت رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلّم ) و لم يكن يمنع شيئا سأله، و إنك لا تطيق ما في يدك، فقال: أجل، قال: فانظر ما قويت عليه منها، فأمسكه، و ما لم تطق فادفعه إلينا نقسمه، فأبى، فقال عمر: و اللّه لتفعلن، فأخذ منه ما عجز عن عمارته، فقسمه بين المسلمين.
و هذا الوادي يطوف بالمدينة من جهة الجنوب و الغرب و الشمال، و لكنه بعيد عنها فهو من جهة الجنوب بعد قباء شمالي وادي النقيع الذي حماه رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلّم ) لخيل الجهاد، و كانت فيه الدوحات العظيمة و الغابات الكثيفة التي يستتر فيها الراكب، و مبدؤه من جهة الغرب على ميلين من المدينة، و يصل إليه الآتي من المدينة في خمس عشرة دقيقة بالسيارة، و يمتد غربا إلى ما بعد ذي الحليفة عند آبار علي، على مسير ساعتين و ثلثي ساعة، أما من الشمال فينتهي عند بئر رومة، و القسم المقارب للمدينة من العقيق الكبير أو الأكبر، و فيه بئر عروة، و الأقصى الذي فيه ذو الحليفة يطلق عليه العقيق فحسب، و هو الذي أبقاه عمر بيد بلال بن الحارث، و القسم الشمالي يسمى العقيق الصغير و لديه بئر رومة.
و كل مسيل ماء شقه السيل في الأرض فأنهره و أوسعه عقيق.
و بالعقيق عرصتان و جماوات، و العرصة في الأصل: الفضاء المتسع ليس فيه بناء.
و الجمّاء: الهضبة، سميت بذلك لأنها دون الجبل، فهي أشبه بالشاة الجمّاء التي لا قرن لها، و إحدى العرصتين تلي بئر رومة و هي الكبرى منهما، و تسمى عرصة البقل و الأخرى بينها و بين العقيق الكبير و تسمى عرصة الماء، و العرصتان من أفضل بقاع المدينة و أكرم أصقاعها، و كان بنو أميّة يمنعون البناء فيهما ضنّا بهما، و لم يكن لأمير المدينة أن يقطع بهما قطيعة إلا بأمر من الخليفة. كتب سعيد بن سليمان إلى عبد الأعلى بن عبد اللّه، و محمد بن صفوان الجمحي، و هما ببغداد يذكرهما طيب العقيق و العرصتين في أيام الربيع فقال:
ألا قل لعبد اللّه إما لقيته * * * و قل لابن صفوان على القرب و البعد
أ لم تعلما أن المصلّى مكانه * * * و أن العقيق ذو الأراك و ذو الورد
و أن رياض العرصتين تزينت * * * بنوّارها المصفر و الأشكل الفرد
و أن بها لو تعلمان أصائلا * * * و ليلا رقيقا مثل حاشية البرد
فهل منكما مستأنس فمسلم * * * على وطن أو زائر لذوي الودّ