المعالم الأثيرة في السنة و السيرة - حميد الله، محمد - الصفحة ٥٩ - تمهيد في صفة المسجد الأقصى
بارَكْنا حَوْلَهُ، لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [١]، و من المتفق عليه بين أهل التفسير أن المسجد الحرام، هو مسجد مكة، و المسجد الأقصى هو مسجد القدس، و وصف بالأقصى: لأنه لم يكن حينئذ بعده مسجد. و قوله تعالى: باركنا حوله: يريد بركات الدين و الدنيا، لأنه متعبد الأنبياء منذ هبط الوحي على الأرض، و هو محفوف بالأنهار الجارية و الأشجار المثمرة [٢]، و باركنا حوله، قالوا: هي الشام، و لكن إذا كانت القدس مركز البركة، فإن فلسطين هي أكثر ما تنال من البركة، لأنها الأقرب، ثم تتوزع البركة في دوائر لتشمل الشام كلها، إذا صح أن المقصود ب (حوله) الشام، و ليس فلسطين بخاصة، و إذا ثبت أن «المسجد الأقصى» هو مسجد قدسنا المطهر الشريف، فإن ذلك يدل على أن المسجد كان موجودا
[١] سبحان: علم للتسبيح و التقديس و التنزيه، مثلما يقال: «عثمان» للرجل. و هو منصوب دائما بفعل محذوف لا يذكر، تقديره:
أسبّح اللّه سبحان، فهو مفعول مطلق، و معناه: ما أبعد الذي له هذه القدرة عن جميع النقائص. و في قوله تعالى: «أسرى بعبده ليلا» ذكر ما قد يفهم المعنى بدونه، لأن الإسراء و السرى، لا يكون إلا ليلا، فلما ذا ذكر اللّه تعالى «ليلا» .. في هذا نكتة بلاغية تفيد في قوة المعنى؛ و تعليلها من وجوه:
الأول: أن الإسراء، يدل على أمرين:
أحدهما: السير، و الآخر: كونه ليلا، فأراد اللّه بذكره (ليلا) إفراد أحدهما بالذكر تثبيتا في نفس المخاطب، و تنبيها على أنه مقصود بالذكر، كقوله تعالى: و قال اللّه:
«لا تتخذوا إلهين اثنين، إنما هو إله واحد»، فالاسم الحامل للتثنية دال عليها، و على الرقم، فأراد التنبيه على أن المقصود «التثنية» لتوكيده. و في قوله: «هو إله واحد» ذكر «واحد» لأن المقصود الوحدانية، و الوجه الثاني: أنه أراد تصوير السير بصورته في ذهن السامع. و الوجه الثالث: أنه أراد بقوله:
«ليلا» بلفظ التنكير، تقليل مدة الإسراء، و أنه أسري به بعض الليل، فالتنكير دلّ على البعضية، و يؤيده قراءة «من الليل»، أي:
بعض الليل.
[٢] روي أن إبراهيم (عليه السلام) لمّا هاجر من العراق، قيل له: إلى أين؟ قال: إلى بلد يملأ الجراب فيها بدرهم. و قال تعالى في قصة إبراهيم: «و نجيناه و لوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين». و كانت نجاة إبراهيم إلى فلسطين، فهي الأرض التي بارك اللّه فيها. و من باب المبالغة في بركات الدنيا التي حظيت بها فلسطين يذكر المؤرخون، أن موسى (عليه السلام)، أرسل جواسيسه إلى فلسطين، و عند ما و جدوا فيها قوما جبارين، هالهم منظرهم مع تعلقهم بخيراتها، فحملوا معهم و هم عائدون عنقود عنب من أرض الخليل، حمله رجلان منهم.