سير اعلام النبلاء - ط الرساله - الذهبي، شمس الدين - الصفحة ٢٧
وَرمَاهَا بِالمجَانِيق، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَبُو العَلاَءِ يَتشفَّع، فَأَكْرَمَه، وَقَالَ: أَلكَ حَاجَة؟
قَالَ: الأَمِيْرُ - أَطَالَ الله بقَاءهُ - كَالسَّيْف القَاطع، لاَن مسُّهُ، وَخَشُنَ حدُّهُ، وَكَالنَّهَار المَاتِع [١] ، قَاظ [٢] وَسطُه، وَطَابَ أَبْردَاهُ [٣] {خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِين} [الأَعرَاف:١٩٩] .
فَقَالَ: قَدْ وَهبتُكَ المَعَرَّةَ، فَأَنْشِدنَا مِنْ شعرِكَ.
فَأَنْشَدَهُ عَلَى البديهِ أَبيَاتاً، وَترحَّل صَالِحٌ [٤] .
كَانَ لأَبِي العَلاَءِ خلوَةٌ يَدخُلهَا لِلأَكلِ، وَيَقُوْلُ: الأَعْمَى عورَة، وَالوَاجِبُ اسْتَتَارُهُ.
فَأَكَلَ مرَّةً دُبسَا، فَنقط عَلَى صَدْرِهِ مِنْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ لِلإِفَادَة؛ قِيْلَ لَهُ: أَكَلتُم دُبساً؟ فَأَسرع بِيَدِهِ إِلَى صَدْره، فَمسحه وَقَالَ: نَعَمْ، لَعَنَ اللهُ النَّهَم.
فَعجبُوا مِنْ ذكَائِهِ، وَكَانَ يَعتذر إِلَى مَنْ يَرحل إِلَيْهِ، وَيَتَأَوَّهُ لعدم صلته [٥] .
قَالَ البَاخَرزِي [٦] :أَبُو العَلاَءِ ضرِيرٌ مَا لَهُ ضرِيب [٧] ، وَمكفوفٌ فِي قَمِيْص الفَضْل مَلْفُوف، وَمحجوبٌ خَصمه الأَلد مَحْجُوج، قَدْ طَالَ فِي ظلّ [٨] الإِسْلاَم آنَاؤُهُ، وَرشَح [٩] بِالإِلْحَاد إِنَاؤُه، وَعِنْدنَا خَبَرُ بصرِهِ، وَاللهُ العَالِمُ بِبصِيْرتِهِ وَالمطَّلعُ عَلَى سرِيرته، وَإِنَّمَا تحدَّثتِ الأَلْسُنُ [١٠] بِإِسَاءته
[١] الماتع: المرتفع، قال في " القاموس ": متع النهار: ارتفع قبل الزوال. وفي الأصل " المانع " وهو خطأ.
[٢] قاظ من القيظ، وهو شدة الحر.
[٣] أبرداه: أي طرفاه، وهما الغداة والعشي. وفي الأصل " إبراده ".
[٤] الخبر في " إنباه الرواة " ١ / ٥٣ - ٥٤، وانظر " معجم الأدباء " ٣ / ٢١٦ - ٢١٧.
(٥) " إنباه الرواة " ١ / ٥٥.
(٦) " دمية القصر " ١ / ١٧٥.
[٧] في " الدمية ": ما له في أنواع الأدب ضريب.
[٨] في الدمية: ظلال.
[٩] في " دمية القصر ": ولكن ربما رشح.
[١٠] ما بين معقوفتين زيادة من " الدمية ".