موسوعة الأسئلة العقائديّة - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٢٧٤ - بحث مفصّل للعلاّمة الطباطبائي حوله
وأمّا وجود الإنسان أو غيره في امتداد مسيره إلى الله ، ورجوعه إليه في عوالم مختلفة النظام ، متفاوتة الحكم فليس بمحال ، وهو ممّا يثبته القرآن الكريم ، ولو كره ذلك الكافرون ، الذين يقولون إن هي إلاّ حياتنا الدنيا نموت ونحيا ، وما يهلكنا إلاّ الدهر ، فقد أثبت الله الحياة الآخرة للإنسان وغيره يوم البعث ، وفيه هذا الإنسان بعينه ، وقد وصفه بنظام وأحكام غير هذه النشأة الدنيوية نظاماً وأحكاماً ، وقد أثبت حياة برزخية لهذا الإنسان بعينه ، وهي غير الحياة الدنيوية نظاماً وحكماً.
وأثبت بقوله : ( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ )[١] أنّ لكُلّ شيء عنده وجوداً وسيعاً غير مقدّر في خزائنه ، وإنّما يلحقه الأقدار إذا نزله إلى الدنيا مثلاً ، فللعالم الإنساني على سعته سابق وجود عنده تعالى في خزائنه أنزله إلى هذه النشأة.
وأثبت بقوله : ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ له كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ )[٢] ، وقوله : ( وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ )[٣] وما يشابههما من الآيات ، أنّ هذا الوجود التدريجي الذي للأشياء ، ومنها الإنسان ، هو أمر من الله يفيضه على الشيء ، ويلقيه إليه بكلمة ( كُنْ ) إفاضة دفعية ، وإلقاء غير تدريجي ، فلوجود هذه الأشياء وجهان ، وجه إلى الدنيا ، وحكمه أن يحصل بالخروج من القوّة إلى الفعل تدريجا ، ومن العدم إلى الوجود شيئاً فشيئاً ، ويظهر ناقصاً ثمّ لا يزال يتكامل حتّى يفني ويرجع إلى ربّه ، ووجه إلى الله سبحانه ، وهي بحسب هذا الوجه أُمور تدريجية ، وكُلّ ما لها فهو لها في أوّل وجودها ، من غير أن تحتمل قوّة تسوّقها إلى الفعل.
[١] الحجر : ٢١.
[٢] ياسين : ٨٢ ـ ٨٣.
[٣] القمر : ٥٠.