الحاشية على مدارك الأحكام - الوحيد البهبهاني، محمّد باقر - الصفحة ٩
المتوفّى ٥٩٨ كفقيه متحرر ، ذي رأي نافذ ، وعلميّة فائقة ، ومقدرة عالية في الاستدلال وردّ الفروع إلى الأصول ، غير محاذر نقد ناقد ، ولا متابع لرأي عالم ، بل كان يتّبع ما يوصله إليه الدليل ، وما كان يستدل عليه هو بما وهبه الله من ملكات الفضل والعلم ، فصار يناقش أخذا وردا آراء شيخ الطائفة الشيخ الطوسي رحمهالله ، وربّما يصل في بعض الأحيان إلى حدّة غير معهودة للدفاع عن آرائه ، ودفعا لما لا يراه من آراء الشيخ الطوسي رحمهالله ، فأوصل الفقه الإسلامي إلى حالة رائعة من الانفتاح والتقدّم في الفقه الإمامي وهو يعد بحقّ صاحب قفزة نوعيّة في تطوّر الفقه الإمامي ، وإن كان ربّما يقال إنّه أفرط في ردّ الشيخ الطوسي.
هذه الحالة التي خلقها ابن إدريس الحلّي ساهمت في بزوغ نجم فقهاء من طراز أكثر شمولية وأدق نظرا وعلميّة ونقدا لآراء السابقين ومبانيهم واسسهم ، مقارنة بما توصّلوا إليه هم من نتائج فقهيّة قد تتّفق وقد لا تتّفق مع نتائج السابقين من الفقهاء رحمهمالله ، فكان أن برز فقهاء من أمثال ابن نما الحلّي المتوفّى سنة ٦٤٥ من مشايخ المحقّق الحلّي ، وعلي ابن طاوس المتوفّى ٦٦٤ ، وأحمد بن طاوس المتوفّى سنة ٦٧٣ ، لكنّ الحقّ أن هذه الفترة ـ أعني ما بين وفاة ابن إدريس وظهور المحقق الحلّي على الساحة العلمية ـ وإن كانت قليلة إلاّ أنها لم تنجب من فطاحل الفقهاء ومشاهيرهم وأصحاب التصنيف والتأليف في الفقه والأصول منهم أحدا ، يستطيع لمّ شمل الفقه والهيمنة على الساحة العلمية ، حتى قيض الله المحقّق الحلّي لحمل أعباء هذه المهمة الدينية الخطيرة.
المحقق الحلي وكتاب الشرائع ٦٠٢ ـ ٦٧٦
وحين أنجب المخاض الفقهيّ المحقّق الحلّيّ ، بدأت مرحلة جديدة