امثال القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٠ - الشرح والتفسير
مستقلة للحالات المتباينة والمختلفة، فللجري من الأعلى إلى الأسفل وضعوا (سَراب)، والذي تورَّط بالسراب يقال: (سَرَب)، كما قد يُطلق (سَرْب) على الماء الجاري؛ لأنه يجري ويسيل من الاعلى إلى الأسفل دائماً، أما علميّاً فالسراب ليس ماءً بل يشبه الماء وينشأ من انكسار الضوء [١].
حرارة سطح الارض إذا ازدادت سببت ترقيق طبقات الجو القريبة من سطح الأرض، والضوء الذي يأتي من الطبقات العليا ينكسر عندما يصل سطح الأرض، ويبلغ الانكسار إلى مستوى الانعكاس الكامل، فيعكس لون السماء الأزرق فتبدو طبقات الجو القريبة من سطح الأرض ماءً، وهو ما يُطلق عليه السراب.
أرجع بعض العلماء قصة سعي هاجر زوجة إبراهيم عليه السلام بين الصفا والمروة إلى رؤيتها السراب، وخلاصة القصة: أن هاجر صعدت جبل الصفا سعياً نحو الماء فشاهدت سراباً على جبل المروة، فركضت نحو المروة، لكنها لم تجد ماءً، فنظرت إلى الصفا فرأت سراباً فركضت نحوه كذلك ولم تجد ماءً عندما بلغته، واستمر سعيها للبحث على الماء بين الجبلين سبع مرَّات حتى نبعت عين زمزم تحت رجلي اسماعيل عليه السلام، وبذلك نجيا من الموت [٢].
اتضح بذلك معنى السراب لغةً وعلمياً، لكنَّ المعنيين غير منظورين في الآية، والمراد من السراب في الآية المعنى الكنائي، الذي هو عبارة عن الشيء الذي يبدو جميلًا وخلَّاباً من بعيد، وهو أجوف في الواقع.
مفردة (قيعة) تعني الصحراء الخالية من الماء والكلأ، واختُلِف في كون هذه الكلمة مفرداً أو جمعاً، والإنصاف أنَّها مفرد، كما هو حال السراب.
إذن، من كان نور الإيمان منطفأً عنده ولا إيمان له فان أعماله الصالحة وعباداته وسجداته وانفاقه وإعاناته كسراب في صحراء جرداء خالية من الماء والكلأ.
«يَحْسَبُهُ الظمآنُ مَاءً».
[١] كمثال على ذلك: لو وضعنا ملعقة بنحو مائل في قدح ماء لوجدنا الملعقة تبدو معوجّة، وهذا بسبب انكسار الضوء.
[٢] تفاصيل القصة تجدها في الأمثل ١: ٣٩٧- ٣٩٨.