امثال القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٦ - ٢- الإنتقام من كافر النعمة
أراضيهم، فأصبحت أراضيهم بذلك قطعة من الخضار لكثرة التشجير والمزارع والبساتين، وما كان الله يريد من هذا القوم إلّا شكر الرب على نعمه الوافرة، كما يصرّح القرآن بذلك في الآية ١٥ من سورة سبأ: «كُلوا مِنْ رِزْقِ ربّكُمْ واشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طيِّبةٌ وربٌّ غَفُورٌ» لكن باعتبار أنَّ الإنسان ينسى الله عندما يغرق في نعمه، فكذا قوم سبأ كانوا قد نسوا الله وأصابهم الغرور والطغيان وكفران النعمة، وهذه من صفات الإنسان إذا كان ضيق الصدر، حيث ينسى كل شيء عندما يبلغ مستوى الرخاء.
إنّ القرآن يصف العذاب والنقمة التي أصابتهم كالتالي: «فَأَعْرَضُوا فأرْسَلْنَا عَلَيْهِم سَيْلَ العَرِم وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَتَيْهِم جَنَّتِيْنِ ذَوَاتَي أُكُلٍ خَمْطٍ وَأثْلٍ وَشَيءٍ مِنْ سِدْرٍ قَليلٍ». [١]
نعم؛ إنّ كفران النعمة هو الذي بدّل نعمة السد الترابي إلى نقمة وعذاب. وقد توفرت مقدمات العذاب، بعدما أوحى الله لفئران أن تثقب السدّ، فكان الماء يخرج من الثقوب شيئاً فشيئاً إلى أن توسعت الثقوب لتصل إلى مستوى استطاعت أن تدمّر السدّ، فتدفّق الماء بشدة ودمّر قصور القوم وبساتينهم وأنعامهم، وبدّل مزارعهم إلى أراض جرداء.
وفي النتيجة تبدّل هذا السدّ- إثر إعراضهم عن الله- إلى عذاب ليكون عبرة لمن بعدهم، ولكي لا يطغى الإنسان أمام الله.
النموذج الآخر، هو عذاب الله الذي نزل على قوم شعيب من خلال الصيحة (كما يعبر عنها القرآن في الآية ٩٤ من سورة هود) أو الصاعقة، وهي من جهتين تعتبر عذاباً، الأولى: أنَّها تحرق كل ما تصطدم به. والثانية: أنّ أمواجها الصوتية تذهب بالسمع.
ويُذكر هنا أنَّ هذه الصاعقة كانت نعمة لهم؛ لأنها تسبب هطول الامطار، تلك النعمة التي يدين لها جميع الأحياء على الكرة الأرضية.
وحسب ما ذكر في الآية ١٦ من سورة هود، أنّ الاستئصال كان نتيجة طغيانهم وكفرانهم لنعم الله، وتبدّلت بذلك الأرض التي هي مهد الإنسان ومسكنه إلى وسيلة عذاب يتعذبون بها.
[١] سبأ: ١٦.