ماه خدا - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٩٥٤
٨٣٣.الإقبال عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري : كُنتُ بِالمَدينَةِ وقَد وُلِّيَها مَروانُ بنُ الحَكَمِ مِن قِبَلِ يَزيدَ بنِ مُعاوِيَةَ ، وكانَ شَهرُ رَمَضانَ ، فَلَمّا كانَ في آخِرِ لَيلَةٍ مِنهُ أمَرَ مُنادِيَهُ أن يُنادِيَ بِالنّاسِ فِي الخُروجِ إلَى البَقيعِ لِصَلاةِ العيدِ ، فَغَدَوتُ مِن مَنزِلي اُريدُ إلى سَيِّدي عَلِيِّ بنِ الحُسَينِ عليهماالسلام غَلَسا ، فَما مَرَرتُ بِسِكَّةٍ مِن سِكَكِ المَدينَةِ إلاّ رَأيتُ أهلَها خارِجينَ إلَى البَقيعِ ، فَيَقولونَ : إلى أينَ تُريدُ يا جابِرُ؟ فَأَقولُ : إلى مَسجِدِ رَسولِ اللّه ِ صلى الله عليه و آله ، حَتّى أتَيتُ المَسجِدَ فَدَخَلتُهُ ، فَما وَجَدتُ فيهِ إلاّ سَيِّدي عَلِيَّ بنَ الحُسَينِ عليهماالسلام قائِما [١] يُصَلِّي صَلاةَ الفَجرِ وَحدَهُ ، فَوَقَفتُ وصَلَّيتُ بِصَلاتِهِ ، فَلَمّا أن فَرَغَ مِن صَلاتِهِ سَجَدَ سَجدَةَ الشُّكرِ . ثُمَّ إنَّهُ جَلَسَ يَدعو وجَعَلتُ اُؤَمِّنُ عَلى دُعائِهِ ، فَما أتى إلى آخِرِ دُعائِهِ حَتّى بَزَغَتِ الشَّمسُ ، فَوَثَبَ قائِما عَلى قَدَمَيهِ تُجاهَ القِبلَةِ وتُجاهَ قَبرِ رَسولِ اللّه ِ صلى الله عليه و آله . ثُمَّ إنَّهُ رَفَعَ يَدَيهِ حَتّى صارَتا بِإِزاءِ وَجهِهِ وقالَ : إلهي وسَيِّدي أنتَ فَطَرتَني وَابتَدَأتَ خَلقي لا لِحاجَةٍ مِنكَ إلَيَّ بَل تَفَضُّلاً مِنكَ عَلَيَّ ، وقَدَّرتَ لي أجَلاً ورِزقا لا أتَعَدّاهُما ولايَنقُصُني أحَدٌ مِنهُما شَيئا ، وكَنَفتَني منِكَ بِأَنواعِ النِّعَمِ وَالكِفايَةِ طِفلاً وناشِئا ، مِن غَيرِ عَمَلٍ عَمِلتُهُ فَعَلِمتَهُ مِنّي فَجازَيتَني عَلَيهِ ، بَل كانَ ذلِكَ مِنكَ تَطَوُّلاً عَلَيَّ وَامتِنانا ، فَلَمّا بَلَغتَ بي أجَلَ الكِتابِ مِن عِلمِكَ بي ووَفَّقتَني لِمَعرِفَةِ وَحدانِيَّتِكَ وَالإِقرارِ بِرُبوبِيَّتِكَ ، فَوَحَّدتُكَ مُخلِصا لَم أدعُ لَكَ شَريكا في مُلكِكَ ، ولا مُعينا عَلى قُدرَتِكَ ، ولَم أنسِب إلَيكَ صاحِبَةً ولا وَلَدا . فَلَمّا بَلَغتَ بي تَناهِي الرَّحمَةِ مِنكَ عَلَيَّ ، مَنَنتَ بِمَن هَدَيتَني بِهِ مِنَ الضَّلالَةِ ، وَاستَنقَذتَني بِهِ مِنَ الهَلَكَةِ ، وَاستَخلَصتَني بِهِ مِنَ الحَيرَةِ وفَكَكتَني بِهِ مِنَ الجَهالَةِ ، وهُوَ حَبيبُكَ ونَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه و آله ، أزلَفُ خَلقِكَ عِندَكَ وأكرَمُهُم مَنزِلَةً لَدَيكَ ، فَشَهِدتُ مَعَهُ بِالوَحدانِيَّةِ وأقرَرتُ لَكَ بِالرُّبوبِيَّةِ وَالرِّسالَةِ ، وأوجَبتَ لَهُ عَلَيَّ الطّاعَةَ ، فَأَطَعتُهُ كَما أمَرتَ وصَدَّقتُهُ فيما حَتَمتَ ، وخَصَصتَهُ بِالكِتابِ المُنزَلِ عَلَيهِ وَالسَّبعِ المَثانِي المُوحاةِ إلَيهِ ، وأسمَيتَهُ القُرآنَ وأكنَيتَهُ الفُرقانَ العَظيمَ . فَقُلتَ جَلَّ اسمُكَ : «وَ لَقَدْ ءَاتَيْنَـكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِى وَ الْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ» . [٢] وقُلتَ ـ جَلَّ قَولُكَ ـ لَهُ حينَ اختَصَصتَهُ بِما سَمَّيتَهُ بِهِ مِنَ الأَسماءِ : «طـه مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَى» [٣] وقُلتَ عَزَّ قَولُكَ : «يس وَ الْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ » [٤] وقُلتَ تَقَدَّسَت أسماؤُكَ : «ص وَ الْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ » [٥] وقُلتَ عَظُمَت آلاؤُكَ : «ق وَ الْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ » [٦] فَخَصَصتَهُ أن جَعَلتَهُ قَسَمَكَ حينَ أسمَيتَهُ وقَرَنتَ القُرآنَ مَعَهُ ، فَما في كِتابِكَ مِن شاهِدِ قَسَمٍ وَالقُرآنُ مُردَفٌ بِهِ إلاّ وهُوَ اسمُهُ ، وذلِكَ شَرَفٌ شَرَّفتَهُ بِهِ وفَضلٌ بَعَثتَهُ إلَيهِ ، تَعجِزُ الأَلسُنُ وَالأَفهامُ عَن وَصفِ مُرادِكَ بِهِ ، وتَكِلُّ عَن عِلمِ ثَنائِكَ عَلَيهِ . فَقُلتَ عَزَّ جَلالُكَ في تَأكيدِ الكِتابِ وقَبولِ ما جاءَ فيهِ «هَـذَا كِتَـبُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ» [٧] وقُلتَ عَزَزتَ وجَلَلتَ : «مَّا فَرَّطْنَا فِى الْكِتَـبِ مِن شَىْ ءٍ» [٨] وقُلتَ ـ تَبارَكتَ وتَعالَيتَ ـ في عامَّةِ ابتِدائِهِ : «الر تِلْكَ ءَايَـتُ الْكِتَـبِ الْحَكِيمِ» [٩] و «الر كِتَـبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَـتُهُ» [١٠] و «الر كِتَـبٌ أَنزَلْنَـهُ إِلَيْكَ» [١١] و «الر تِلْكَ ءَايَـتُ الْكِتَـبِ الْمُبِينِ» [١٢] و «الـم * ذَ لِكَ الْـكِتَـبُ لاَ رَيْبَ فِيهِ» [١٣] وفي أمثالِها من سُوَرِ الطَّواسينِ وَالحَواميمِ . في كُلِّ ذلِكَ ثَنَّيتَ بِالكِتابِ مَعَ القَسَمِ الَّذي هُوَ اسمُ مَنِ اختَصَصتَهُ لِوَحيِكَ وَاستَودَعتَهُ سِرَّ غَيبِكَ ، فَأَوضَحَ لَنا مِنهُ شُروطَ فَرائِضِكَ وأبانَ لَنا عَن واضِحِ سُنَّتِكَ ، وأفصَحَ لَنا عَنِ الحَلالِ وَالحَرامِ ، وأنارَ لَنا مُدلَهِمّاتِ الظَّلامِ ، وجَنَّبَنا رُكوبَ الآثامِ وألزَمَنَا الطّاعَةَ ووَعَدَنا مِن بَعدِها الشَّفاعَةَ . فَكُنتُ مِمَّن أطاعَ أمرَهُ وأجابَ دَعوَتَهُ وَاستَمسَكَ بِحَبلِهِ ، فَأَقَمتُ الصَّلاةَ وآتَيتُ الزَّكاةَ وَالتَزَمتُ الصِّيامَ الَّذي جَعَلتَهُ حَقّا . فَقُلتَ جَلَّ اسمُكَ : «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ» . [١٤] ثُمَّ إنَّكَ أبَنتَهُ فَقُلتَ عَزَزتَ وجَلَلتَ مِن قائِلٍ : «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ» [١٥] وقُلتَ : «فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ» . [١٦] ورَغَّبتَ فِي الحَجِّ بَعدَ إذ فَرَضتَهُ إلى بَيتِكَ الَّذي حَرَّمتَهُ ، فَقُلتَ جَلَّ اسمُكَ : «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً» [١٧] وقُلتَ عَزَزتَ وجَلَلتَ : «وَ أَذِّن فِى النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَ عَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِّيَشْهَدُواْ مَنَـفِعَ لَهُمْ وَ يَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ فِى أَيَّامٍ مَّعْلُومَـتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنم بَهِيمَةِ الْأَنْعَـمِ» . [١٨] اللّهُمَّ إنّي أسأَلُكَ أن تَجعَلَني مِنَ الَّذينَ يَستَطيعونَ إلَيهِ سَبيلاً ، ومِنَ الرِّجالِ الَّذينَ يَأتونَهُ لِيَشهَدوا مَنافِعَ لَهُم وَلِيُكَبِّرُوا اللّه َ عَلى ما هَداهُم ، وأعِنِّي اللّهُمَّ عَلى جِهادِ عَدُوِّكَ في سَبيلِكَ مَعَ وَلِيِّكَ،كَما قُلتَ جَلَّ قَولُكَ: «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَ أَمْوَ لَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَـتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ» [١٩] ، وقُلتَ جَلَّت أسماؤُكَ : «وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَـهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّـبِرِينَ وَ نَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ » . [٢٠] اللّهُمَّ فَأَرِني ذلِكَ السَّبيلَ حَتّى اُقاتِلَ فيهِ بِنَفسي ومالي طَلَبَ رِضاكَ فَأَكونَ مِنَ الفائِزينَ. إلهي أينَ المَفَرُّ عَنكَ فَلا يَسَعُني بَعدَ ذلِكَ إلاّ حِلمُكَ ، فَكُن بي رَؤوفاً رَحيماً وَاقبَلني وتَقَبَّل مِنّي وأعظِم لي فيهِ بَرَكَةَ المَغفِرَةِ ومَثوبَةَ الأَجرِ، وأرِني صِحَّةَ التَّصديقِ بِما سَأَلتُ ، وإن أنتَ عَمَّرتَني إلى عامٍ مِثلِهِ ، ويَومٍ مِثلِهِ ، ولَم تَجعَلهُ آخِرَ العَهدَ مِنّي فَأَعِنّي بِالتَّوفيقِ عَلى بُلوغِ رِضاكَ ، وأشرِكني يا إلهي في هذَا اليَومِ في جَميعِ دُعاءِ مَن أجَبتَهُ مِنَ المُؤمِنينَ وَالمُؤمِناتِ ، وأشرِكهُم في دُعائي إذا أجَبتَني في مَقامي هذا بَينَ يَدَيكَ ؛ فَإِنّي راغِبٌ إلَيكَ لي ولَهُم وعائِذٌ بِكَ لي ولَهُم ، فَاستَجِب لي يا أرحَمَ الرّاحِمينَ . [٢١]
[١] في المصدر : «قائم» ، والتصحيح من بحار الأنوار .[٢] الحِجر : ٨٧ .[٣] طه : ١ و ٢ .[٤] يس : ١ و ٢ .[٥] ص : ١ .[٦] ق : ١.[٧] الجاثية : ٢٩ .[٨] الأنعام : ٣٨ .[٩] يونس : ١ .[١٠] هود : ١ .[١١] إبراهيم : ١ .[١٢] يوسف : ١ .[١٣] البقرة : ١ و ٢ .[١٤] البقرة : ١٨٣ .[١٥] البقرة : ١٨٥ .[١٦] البقرة : ١٨٥ .[١٧] آل عمران : ٩٧.[١٨] الحجّ ٢٧ و ٢٨ .[١٩] التوبة : ١١١ .[٢٠] محمّد : ٣١ .[٢١] الإقبال : ١ / ٤٨٨ ، المصباح للكفعمي : ٨٥٨ ، البلد الأمين : ٢٣٨ ، بحارالأنوار : ٩١ / ٧ / ٣ .