كشف المحجّة في شرح خطبة اللمّة

كشف المحجّة في شرح خطبة اللمّة - شبّر، السيد عبد الله - الصفحة ٣٧٨

ومقدار ولا ممثّل ولا مقدور حتى يعمل ويخلق ـ جلّ شأنه ـ بمثله ويحذو حذوه . وأمّا الثاني فلاستحالة حصول الصور والمقادير في ذاته تعالى ، ولامتناع استفاضتها من الغير ، فكان صنعه تعالى محض الابتداع ، وفعله مجرّد الاختراع من غير مثال ؛ تعالى عن صفات المخلوقين ، وتنزّه عن شبه المربوبين . كَوّنَهَا بِقُدْرتِه الكاملة ، المنزّهة عن الضعف والنقصان ، إنّما يقول لما يشاء كونه ويريد وجوده : «كنْ» فيكون ذلك الشيء من غير مهلة وتراخٍ ، والمرادُ بقوله [١] للشيء «كن» حكمُه وقضاؤه عليه بالوجود ، لا التلفّظ بهذا اللفظ والنطق به . وذَرَأها أي خلقها وأوجدها من باب نفع ، بمشيّته أي بإرادته ، لا بعزم و إرادة زائدة على ذاته . وقيل : المشيّة هي العلم بالشيء مع ما به يترجّح به وجوده ، فهي حينئذٍ نوع من العلم مغايرة للإرادة . وكيفما كان فمشيّته و إرادته تعالى تتعلّقان [٢] بالأشياء كلّها ، لكن تعلُّقهما [٣] بها على وجوه مختلفة : فتعلّقهما [٤] بأفعال نفسه بمعنى إيجادها والرضا بها ؛ لكونها كلّها حسنة واقعة على وجه الحكمة (،اشتر القليل تابع لخيرات كثيرة فيه وليس مرادا) [٥] بالذات ، وتعلُّقهما بأفعال العباد : أمّا بالطاعات فهو إرادة وجودها والرضا بها أو الأمر بها ، و أمّا بالمباحات فهو الرخصة بها ، و أمّا المعاصي فهو إرادة أن لا يمنع منها بالجبر والقهر أو إرادة عدمها ، وبذلك فسّر قوله تعالى : «وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكُواْ» [٦] أي لو شاء عدم شركهم على سبيل الإجبار ما أشركوا ، ولكن لم يشأ على هذا الوجه ؛ لمنافاته غرض التكليف ، و إنما شاء على سبيل الاختيار لتكون لهم القدرة على الفعل والترك . مِن غيرِ حاجةٍ منه إلى تكوينِها ، ولا فائدةٍ له في تصويرِها من تشديد سلطان ، أو خوفٍ من زوال ونقصان ، أو استعانة على ضدّ أو ندّ ؛ لأنّه إنما يحتاج إلى الناصر والمعين


[١] س : + «تعالى» .[٢] س : «يتعلّقان» . م : «تعلّقان» .[٣] س : «تعلّقها» .[٤] س : «فتعلّقها» .[٥] من «س» وسقطت من «م» .[٦] سورة الأنعام ، الآية ١٠٧ .