الشفاء المنطق (جلد اول) - ابن سينا - الصفحة ٢٥
و لم يختلف الأمر عن هذا كثيرا فى العالم العربى، فتقابل الألفاظ لا يكاد يذكر إلى جانب تقابل القضايا، و حتى ابن سينا نفسه لم يعرض له إلا فى" كتاب المقولات". و نحا نحوه المناطقة الآخرون، فيما عدا صاحب" البصائر النصيرية" الذي شاء أن يلخص منطق" الشفاء" تلخيصا كاملا.[١] و من تقابل الألفاظ لم يبق إلا التناقض و التضاد، و يعبر عنهما عادة بالقاعدتين المشهورتين اللتين كثيرا ما وردتا فى مواطن الجدل على ألسنة المتكلمين و الفلاسفة و الفقهاء، و هما:" النقيضان لا يجتمعان و لا يرتفعان"، و" الضدان لا يجتمعان و قد يرتفعان".
و يبدو مما تقدم أن المشاكل الرئيسية المتصلة بنظرية المقولات أثيرت جميعها فى الثقافة الإسلامية، اللهم إلا مدى الأصالة فيها، و هل ابتدعها أرسطو ابتداعا أم تأثر فيها بمن قبله؟ و لم يشغل مفكرو الإسلام كثيرا بالبحث عن أصول الأفكار و تسلسلها، و لم يعنوا بالربط التاريخي، و معلوماتهم عن سقراط و سابقيه قليله و غامضة، و يكادون يقفون عند أفلاطون، و إن كان تلميذه قد طغى عليه فى نظرهم طغيانا كبيرا. و كل ما نحظى به لدى ابن سينا فى هذا الشأن هو أن المقولات فى عددها و خصائصها وليدة الاستقراء.
و إنا لنتفق معه فى أن دراسات أرسطو الطبيعية أعانته على تكوين نظرية المقولات، و لكنه تأثر قطعا بما ذهب إليه أفلاطون من جمع و تقسيم للمعانى و الكليات فى محاوراته المختلفة، و خاصة" بار ميندس" و" السوفسطائى".
[١] الساوى، البصائر النصيريه، القاهرة ١٨٨٨، ص ٣٦ و ما بعدها.