الشفاء المنطق (جلد اول) - ابن سينا - الصفحة ١٣
و إذا كان فلاسفة الإسلام قد أخذوا بعدد المقولات، فان هناك فريقا استنكره، و نعنى به أنصار نظرية الجوهر الفرد من المتكلمين. و هؤلاء، فى رفضهم للصورة و الهيولى الأرسطية، حاولوا أن يكوّنوا العالم من جواهر فردة يخلقها اللّه دون انقطاع، و هى منفصلة دائما و لا تكوّن فى تلاقيها أى مركب.[١] و اذن ليس ثمة خط و لا سطح و لا كم متصل و لا منفصل، و لا زمان و لا إضافة، و كل ما هنالك جواهر فردة متحركة باستمرار[٢]. فالمقولات ثلاثة لا عشرة، و هى الجوهر، و أعراضه التي يجمعها الكيف، و الأين الذي يتحرك فيه.
أما المقولات الأخرى فهى مجرد مظاهر و اعتبارات ذهنية، فالخطوط و السطوح التي تبدو أمامنا ليست إلا أمورا وهمية، و الزمان مجرد ارتباط الوقائع فى الذهن، و فى المضاف يجب أن نفرق بين الذات و الموضوع، و الأولى فقط هى مصدره، و لا يمكن تصور إضافة بمعزل عن الذهن، و إلا استلزمت إضافة أخرى إلى ما لا نهاية[٣]. و فى هذا ما يكفى للتدليل على ما فى نقد المتكلمين لمقولات أرسطو من طرافة و أصالة، ذلك لأنه يعتمد على ذاتية غير مألوفة لدى القدامى. و تبدو هذه الذاتية بوضوح فى تحليلهم
[١]
Madkour, La place d' Al Farabi, Paris ١٩٣٤, p. ٤٩- ٥٠.
[٢] العطار، حواشى على مقولات السجاعى، القاهرة ١٣١٣ ه، ص، ١٢
[٣]
Schmoelders, Essai sur les ecols philos. chez les Arabes, Paris, ١٨٤٢, p. ١٦١.