مواهب الرحمن في تفسير القرآن - الموسوي السبزواري، السيد عبد الأعلى - الصفحة ٦٤
تعالى : (وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ) [سورة البقرة ، الآية : ١٩٧] ، وقال تعالى : (وَاتَّقُوا اللهَ) [سورة الحشر ، الآية : ١٨] واتقاؤه يعني اتقاء عذابه وعقابه ، والا فلا وجه لنسبة الاتقاء الى ذاته ولا قدرته تعالى. وعقاب الله إما دنيوي أو أخروي أو هما معا ، واتقاء عقابه إنما يتحقق بالإيمان الصحيح والعمل الصالح ؛ وأدنى مرتبة التقوى التي يكون المدار عليها في الكتاب والسنة هي إتيان الواجبات وترك المحرمات وفوق ذلك مراتب ودرجات كما وردت في خطبة علي ٧ في وصف المتقين وهي من جلائل خطبه ونفائسها.
والتقوى فوق الإيمان بدرجة ، لقوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ) [سورة الأنفال ، الآية : ٢٩]. وقد وردت في جملة من الأخبار أيضا ، فعن الرضا ٧ : «الإيمان فوق الإسلام بدرجة والتقوى فوق الإيمان بدرجة ، واليقين فوق التقوى بدرجة ، وما قسم في النّاس شيء أقل من التقوى» ويعضد ذلك اللغة والعرف أيضا ، فإن أهل التقوى عند النّاس أخص من المؤمنين ، وقد جعل الإيمان موضوعا للتقوى في جملة من الآيات الكريمة ، منها قوله تعالى : (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ) [سورة البقرة ، الآية : ١٠٣] ، وقوله تعالى : (وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ) [سورة المائدة ، الآية : ٨٨] ، وقال تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ) [سورة المائدة ، الآية : ٣٥]. نعم قدم التقوى على الإيمان في جملة أخرى من الآيات كقوله تعالى : (إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [سورة المائدة ، الآية : ٩٣].
ويمكن أن يكون هذا التقديم والتأخير باعتبار المراتب والثبات عليها لا باعتبار أصل الإيمان فانه موضوع التقوى ، فما عن بعض المفسرين من أن التقوى في المقام هو الإيمان وأصر عليه مردود ويأتي التفصيل إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى : (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ). الإيمان من الأمن سمي به