مواهب الرحمن في تفسير القرآن - الموسوي السبزواري، السيد عبد الأعلى - الصفحة ١٩١
فقال : بلى. قال : فما معنى قول الله تعالى : (وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى)؟ قال : إن الله تعالى قال لآدم : (اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ). وأشار لهما إلى شجرة الحنطة فتكونا من الظالمين ، ولم يقل لهما : لا تأكلا من هذه الشجرة ، ولا مما كان من جنسها ، فلم يقربا تلك الشجرة ، ولم يأكلا منها ، وإنما أكلا من غيرها لما أن وسوس الشيطان إليهما ، وقال : ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة. وإنما نهاكما أن تقربا غيرها ، ولم ينهكما أن تأكلا منها إلّا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ، ولم يكن آدم وحواء شاهدين قبل ذلك من يحلف بالله كاذبا ، فدلاهما بغرور فأكلا منها ثقة بيمينه بالله ، وكان ذلك من آدم قبل النبوة ، ولم يكن ذلك بذنب كبير استحق به دخول النار ، وإنما كان من الصغائر الموهوبة التي تجوز على الأنبياء قبل نزول الوحي إليهم ، فلما اجتباه الله وجعله نبيا كان معصوما لا يذنب صغيرة ولا كبيرة ، قال الله عزوجل : (وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى) ، وقال عزوجل : (إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ).
أقول : مثل هذه الروايات الواردة عن الأئمة الهداة : خصوصا مولانا الرضا ٧ في الجواب عن الإشكالات التي أوردت على عصمة الأنبياء (صلوات الله عليهم) لا يختص بأن يجيب بها الإمام ٧ ، بل يمكن أن يجاب بكل وجه صحيح يجمع به بين الأدلة الدالة على العصمة ، ومثل هذه الآيات الموهمة للتنافي بينها وبين العصمة ، ولنا أن نجيب عن الإشكال في هذا المجال بكل ما يقبله الطبع السليم والذهن المستقيم. ولكن في رواية ابن الجهم جهات من البحث :
(الأولى) : في سند الحديث علي بن محمد بن الجهم وقد ضعفه كل من تعرض له فلا اعتبار بمثل هذا الحديث ، وسياق المتن يدل على أنه ليس من الإمام ٧ ، خصوصا من مثل مولانا الرضا ٧ ، بل هو من المفتعلات عليه.
(الثانية) : قوله : «وإنما أكلا من غيرها» مخالف لصريح الآية المباركة