بحوث في الأصول - الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٥٨ - تذييل و تكميل
(صلوات اللّه عليهم) [١]، و قصر المثوبة و العقوبة على الأول، مخالف لظواهر الكتاب و السنّة.
و قد عرفت في ما تقدّم أنّ هذا المقدار من الاختيارية، و هو سبق الفعل بمبادئه الاختيارية، مصحّح للتكليف، فكذا للمؤاخذة عند العقلاء، فيما أمر مولى عرفي، عبده بشيء، و خالفه إذ لو كان الفعل بمجرد استناده إلى الواجب تعالى غير اختياري، لما صحّت المؤاخذة عليه، و لو من غيره تعالى، فإذا كان الفعل في حدّ ذاته قابلًا للمؤاخذة عليه، فكون المؤاخِذ و المعاقِب، ممّن انتهت إليه سلسلة الإرادة و الاختيار، لا يوجب انقلاب الفعل عمّا هو عليه، من القابلية للمؤاخذة و العقوبة عليه، ممّن خولف أمره و نهيه.
نعم، يبقى الإشكال فيه من جهات:
منها: انّه ما الموجب لاختيار التعذيب و المعاقبة، من المختار الرحيم، بعد استحالة طروّ الغضب و نحوه عليه، و استحالة التشفّي في حقّه تعالى.
و يجاب عنه بأحد وجهين:
الأوّل: انّ التعذيب، من باب تصديق التخويف، و الإيفاء به، الواجبين في الحكمة الإلهية، بعد وقوع التخويف و التوعيد، فانّ إخلاف الميعاد، مناف للحكمة، و موجب لعدم ارتداع النفوس من التوعيد و التخويف، و هذا الوجه
«ان اللّه يدخل الذين آمنوا و عملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار» الآية ١٢ من سورة محمد و قوله تعالى «و من يطع اللّه و رسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار» الآية ١٧ من سورة الفتح و قوله تعالى:
«فانتقمنا من الذين أجرموا» الآية ٤٧ من سورة الروم و قوله تعالى: «انا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا» الآية ١٠٢ من سورة الكهف و قوله تعالى: «و غضب اللّه عليهم و لعنهم و أعدّ لهم جهنم و ساءت مصيراً» الآية ٦ من سورة الفتح، و غيرها مما توجد كثيراً في القرآن المجيد.
[١] و ما ورد عنهم (عليهم السَّلام) فيهما كثير أيضا، و يكفي شاهداً كتاب ثواب الأعمال و عقاب الأعمال للصدوق (قدّس سرّه).