بحوث في الأصول - الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٤٣ - تكملة

و بالجملة الصحيح أنّ الاستحالة لم تنشأ من فرض تعلّق علم البارئ أصلًا، بل نشأت من فرض وجود الكفر بعلته، فالإيمان ممتنع بالغير، لثبوت سبب عدمه، و هو لا ينافي الإمكان الذاتي و الوقوعي، و لو فرض عدم تعلّق علمه تعالى بالكفر محالًا، لكان الأمر على حاله، و هذا بخلاف ما لو كان العلم سبباً و مؤثراً في المعلوم، لأنّ مثل علمه تعالى من الأسباب، يمتنع عدمه امتناعا ذاتياً، فوقوع خلاف ما تعلّق به، ممتنع بالامتناع الوقوعي، لأنّ فرض وقوعه مستلزم للمحال، و هذا هو الفرق بين سببيّة علمه، و مؤثريته، و سببيّة سائر الأسباب، فإنّ عدم سائر الأسباب، ليس بمحال ذاتي، و لا وقوعي، غايته الامتناع الغيري، المجامع مع الإمكان الذاتي و الوقوعي، المصحح لتعلّق الإرادة به.

ثم إنّ بعض أجلّة العصر، بيّن الجواب المزبور، بوجه آخر، هو أنّ علمه تعالى بخصوص أحد طرفي الوجود و العدم، تابع للواقع، فإن كان الوجود الواقعي ممتنعاً، فعلمه تعالى بالوجود ممتنع، و إن كان واجباً، فعلمه تعالى واجب، و إن كان ممكناً، فعلمه تعالى بخصوص وجوده الواقعي، و عدمه الواقعي، ليس بواجب، لا بمعنى أنّ أصل علمه تعالى بالواقع، ممكن، حادث، بل بمعنى أنّ علمه الخاصّ، باعتبار خصوصية، و هي كونه متعلّقاً بخصوص الوجود الواقعي، أو العدم الواقعي، غير واجب‌ [١].

و ذكر في وجهه، أنّ العلم أمر، قوامه بالمحيط، و المحاط عليه، فيكون علمه الخاصّ، من صفاته الفعلية تعالى، و على ذلك فعلمه الخاصّ، متفرع في التقوّم، و التقرّر، و التحصّل، على الوجود الواقعي، أو العدم الواقعي، و حينئذٍ فكيف يعقل أن يؤثّر ما هو تابع في تحصّله على شي‌ء، في ذلك الشي‌ء، و يترتّب‌


[١] المحقق الآخوند الملّا علي النجفي النهاوندي «(قدّس سرّه)» في تشريح الأُصول في مبحث الأمر ص ٧٢- ٧٣.