بحوث في الأصول - الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١٩ - في بيان فروق أخر بين الإخبار و الإنشاء

فإذا حققت ذلك و علمت أنّ الإيقاع و البناء، ضرب من الوجود الإدراكي، فاعلم أنّه لا يعقل مساس لهذا الوجود النوري الإدراكي باللفظ، إذ معنى قصد ثبوت المعنى باللفظ، أو الإيقاع به، إن كانت آلته اللفظ للبناء و الإيقاع، فهو غير متصوّر، إذ ليس اللفظ من مبادئ تحقق ذاك الوجود الإدراكي، و لا يحتاج النّفس في الإيجاد و التأثير و الخلّاقيّة إلى ذكر اللفظ، و إن كانت حكاية اللفظ عنهما، بكون اللفظ الإنشائيّ، وجوداً لفظياً لهما، فهو أيضا محال، لما أشرنا إليه في مبحث المشتق، من أنّ الوضع للانتقال من سماع اللفظ إلى الموضوع له، و هو انّما يعقل إذا كان الموضوع له قابلًا للحصول في المدارك الإدراكية و الوجود مطلقاً لا يقبل ذلك، سواء كان المعروض من سنخ العارض كما فيما نحن فيه أولا، فافهم و اغتنم.

[في بيان فروق أخر بين الإخبار و الإنشاء]

و عن بعض الأعلام ممن قارب عصرنا «(قدّس سرّه)» [١] وجوه أخر في بيان الفرق بين الإخبار و الإنشاء.

منها: أنّ صيغة افعل مثلا لإظهار الإرادة النفسانيّة، و أريد الفعل للإخبار عنها، و الفرق بين الإظهار و الإخبار، كالفرق بين مداليل الكلام، و مداليل النصب و الاعلام، فالأوّل كقولك: دخل الوقت، و الثاني كقول المؤذن في مقام الإعلام بدخوله: اللّه أكبر، فالأوّل إخبار يقبل الصدق و الكذب، بخلاف الثاني، و إن كانا متحدين في جهة الكشف، و هكذا الأمر في سائر الإنشاءات، فانّ جميعها موضوعة لإظهار التمنّي، و الترجّي، و طلب الفهم، و نحوها.


[١] هو المحقق الرشتي في بدائع الأفكار، في بحث الطلب و الإرادة، ص ٢٦٠.