بحوث في الأصول - الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١٧ - ثانيها في حقيقة الإنشاء و الوجود الإنشائي
وجوداً له لا للفظه المنزّل منزلته، لا معنى له إلا الوجود الإدراكي و الوجود الخارجي بقسميه، فالمراد من قصد ثبوت المعنى باللفظ، إن كان قصد ثبوته حقيقة، بتبعية ثبوت اللفظ، كما توجد الفوقية بتبع وجود الشيء في الحيّز العالي، فهو غير معقول، لأنّ المعنى المزبور إمّا يكون من الأمور التي لها مطابق في الخارج، أو ممّا يصح انتزاعه ممّا له مطابق في الخارج، و المراد بقصد ثبوته، إمّا ثبوته في الخارج بأحد القسمين، أو ثبوته في الذهن، و على أي تقدير يتوقف وجوده العيني على حصول مطابقه، أو مطابق ما ينتزع عنه في الخارج، و وجوده الذهني على تصوّره لا على وجود اللفظ، و القصد إلى ما لا يعقل غير معقول، و إن كان قصد ثبوته بثبوت اللفظ، و مرجعه إلى قصد وجوده اللفظي، فهو جار في جميع المعاني الخبرية، و الإنشائية و المفردة و المركبة، من غير اختصاص بالمعاني الإنشائيّة، اللّهم إلا على وجه وجيه سيأتي إن شاء اللّه تعالى بيانه.
و من هنا ظهر أنّ منشئيّة اللفظ المقصود به ثبوت المعنى، لنفس المعنى، أو منشئية اللفظ لنفس المعنى، و إن كانت ممكنة بالجعل، لكن الأوّل غير معقول، لأنّ المنشأ أمر غير معقول، حيث لا يعقل قصد ثبوت المعنى كما ذكرنا، و الثاني معقول، لكن لا دخل له بالمعاني الإنشائيّة كما عرفت.
فان قلت: ما ذكرت من استحالة القصد إلى ثبوت المعنى في الخارج، إنّما يكون إذا أريد منه الإرادة التي لا تتعلّق بالمحال، و أمّا إذا أريد منه البناء على ثبوته باللفظ، فلا استحالة كما يظهر بالتأمّل في موارد التشريعات، و التنزيلات، فإن تعلّق الإرادة الجدية بها- مع القطع بالخلاف- غير معقول، فليس هناك إلا البناء، فكذا هنا، فالكلام الإنشائي قول بني على ثبوت المعنى به في الخارج، و إن لم يتحقق في الخارج، بل و إن لم يعقل تحققه في الخارج، أو يقال إنّ مدلول الكلام الإنشائي، إيقاع النسبة في النّفس، و هو من الأفعال